التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ} (46)

تقديم { وبينهما } وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسّط بين الجنّة والنّار وما ذكر من شأنه . وبهذا التّقديم صحّ تصحيح الابتداء بالنّكرة ، والتّنكير للتّعظيم .

وضمير { بينهما } يعود إلى لفظي الجنّة والنّار الواقعين في قوله { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } [ الأعراف : 44 ] وهما اسما مكان ، فيصلح اعتبار التّوسّط بينهما . وجُعل الحجاب فصلاً بينهما . وتثنية الضّمير تُعيِّن هذا المعنى ، ولو أريد من الضّمير فريقَا أهللِ الجنّة وأهل النّار ، لقال : بينهم ، كما قال في سورة الحديد ( 13 ) { فضرب بينهم بسور } الآية .

والحجاب : سور ضُرب فاصلاً بين مكان الجنّة ومكان جهنّم ، وقد سمّاه القرآن سوراً في قوله : { فضرب بينهم بسور له باب } في سورة الحديد ( 13 ) ، وسمّي السور حجاباً لأنّه يقصد منه الحجب والمنع كما سمّي سوراً باعتبار الإحاطة .

والأعراف : جمع عُرْف بِضّم العين وسكون الرّاء ، وقد تضمّ الرّاء أيضاً وهو أعلى الشّيء ومنه سمّي عُرف الفرس ، الشّعر الذي في أعلى رقبته ، وسمّي عُرف الدّيك . الرّيش الذي في أعلى رأسه .

و ( أل ) في الأعراف } للعهد . وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السّور . ليرقب منها النظَّارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم . ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتّى تعرّف بلام العهد ، فتعيّن أنّها ما يعهده النّاس في الأسوار . أو يجعل ( ألْ ) عوضاً عن المضاف إليه : أي وعلى أعراف السّور . وهما وجهان في نظائر هذا التّعريف كقوله تعالى : { فإن الجنة هي المأوى } [ النازعات : 41 ] وأيّاً مّا كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف مكاناً مخصوصاً يتعرّف منه أهل الجنّة وأهل النّار ، إذ لا وجه حينئذٍ لتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه .

وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنّكرة ، إذ اقتضى المقام الحديث عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب ، قبل أن يدخلوا الجنّة ، فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار ، ويعرِفون رجالاً من أهل النّار كانوا من أهل العزّة والكبرياء في الدّنيا ، وكانوا يكذّبون وعد الله المؤمنين بالجنّة ، وليس تخصيص الرّجال بالذّكر بمقتض أن ليس في أهل الأعراف نساء ، ولا اختصاص هؤلاء الرّجال المتحدّث عنهم بذلك المكان دون سواهم من الرّجال ، ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر ، فذكروا هنا للاعتبار على وجه المصادفة ، لا لقصد تقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم ، ولعلّ توهّم أنّ تخصيص الرّجال بالذّكر لقصد التّقسيم قد أوقع بعض المفسّرين في حيرة لتطلّب المعنى لأنّ ذلك يقتضي أن يكون أهل الأعراف قد استحقّوا ذلك المكان لأجل حالة لاحظّ للنّساء فيها ، فبعضهم حمل الرّجال على الحقيقة فتطلب عملاً يعمله الرّجال لاحظ للنّساء فيه في الإسلام ، وليس إلاّ الجهاد ، فقال بعض المفسرين : هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم ، وبعض المفسّرين حمل الرّجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة ، أطلق عليهم الرّجال لأنّهم ليسوا إناثاً كما أطلق على أشخاص الجنّ في قوله تعالى : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } [ الجن : 6 ] فيظهر وجه لتخصيص الرّجال بالذّكر تبعاً لما في بعض تلك الأحاديث التي أشرنا إليها .

وأمّا ما نقل عن بعض السّلف أنّ أهل الأعراف هم قوم اسْتوت موازين حسناتهم مع موازين سيّئاتهم ، ويكون إطلاق الرّجال عليهم تغليباً ، لأنّه لا بدّ أن يكون فيهم نساء ، ويروى فيه أخبار مسندة إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم لم تبلغ مبلغ الصّحيح ولم تنزل إلى رتبة الضّعيف : روى بعضَها ابنُ ماجة ، وبعضَها ابنُ مردويه ، وبعضَها الطّبري ، فإذا صحت فإنّ المراد منها أن من كانت تلك حالتهم يكونون من جملة أهل الأعراف المخبر عنهم في القرآن بأنّهم لم يدخلوا الجنّة وهم يطمعون . وليس المراد منها أنّهم المقصودُ من هذه الآية كما لا يخفى على المتأمّل فيها .

والذي ينبغي تفسير الآية به : أنّ هذه الأعراف جعلها الله مكاناً يوقف به من جعله الله من أهل الجنّة قبل دخوله إياها ، وذلك ضرب من العقاب خفيف ، فجعل الدّاخلين إلى الجنّة متفاوتين في السبق تفاوتاً يعلم الله أسبابه ومقاديره ، وقد قال تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } [ الحديد : 10 ] وخصّ الله بالحديث في هذه الآيات رجالاً من أصحاب الأعراف . ثمّ يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمّة الإسلاميّة خاصّة . ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم ، وأيّاما كان فالمقصود من هذه الآيات هم من كان من الأمّة المحمّديّة .

وتنوين { كلاً } عوضٌ عن المضاف إليه المعروف من الكلام المتقدّم . أي كلّ أهل الجنّة وأهل النّار .

والسيما بالقصر السمة أي العلامة ، أي بعلامة ميَّز الله بها أهل الجنّة وأهل النّار ، وقد تقدّم بيانها واشتقاقها عند قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهُم } في سورة البقرة ( 273 ) .

ونداؤهم أهلَ الجنّة بالسّلام يؤذن بأنّهم في اتّصال بعيد من أهل الجنّة ، فجعل الله ذلك أمارة لهم بحسن عاقبتهم ترتاح لها نفوسهم . ويعلمون أنّهم صائرون إلى الجنّة ، فلذلك حكى الله حالهم هذه للنّاس إيذاناً بذلك وبأن طمعهم في قوله : { لم يدخلوها وهم يطمعون } هو طمع مستند إلى علامات وقوع المطموع فيه ، فهو من صنف الرّجاء كقوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ( الشعراء 82 ) .

و { أن } تفسير للنّداء ، وهو القول { سلام عليكم } . و { سلام عليكم } دعاءُ تحيّة وإكرام .

وجملة : { لم يدخلوها وهم يطمعون } مستأنفة للبيان ، لأنّ قوله { ونادوا أصحاب الجنّة } يثير سؤالاً يبحث عن كونهم صائرين إلى الجنّة أو إلى غيرها . وجملة : { وهم يطمعون } حال من ضمير { يدخلوها } والجملتان معاً معترضتان بين جملة : { ونادوا أصحاب الجنة } وجملة { وإذا صرفت أبصارهم } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ} (46)

قوله تعالى : " وبينهما حجاب " أي بين النار والجنة - لأنه جرى ذكرهما – حاجز ، أي سور . وهو السور الذي ذكره الله في قوله : " فضرب بينهم بسور{[7132]} " [ الحديد : 13 ] . " وعلى الأعراف رجال " أي على أعراف السور ، وهي شرفه . ومنه عرف الفرس وعرف الديك . روى عبد الله بن أبي يزيد{[7133]} عن ابن عباس أنه قال : الأعراف الشيء المشرف . وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك . والأعراف في اللغة : المكان المشرف ، جمع عرف . قال يحيى بن آدم : سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت ، فقلت : حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك . فقال : نعم والله ، واحده يعني ، وجماعته أعراف ، يا غلام ، هات القرطاس ، فكتبه . وهذا الكلام خرج مخرج المدح ، كما قال فيه : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله{[7134]} " [ النور : 37 ] وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال : فقال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم . قال ابن عطية : وفي مسند خيثمة بن سليمان ( في آخر الجزء الخامس عشر ) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة{[7135]} دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار ] . قيل : يا رسول الله ، فمن استوت حسناته وسيئاته ؟ قال : ( أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون ) . وقال مجاهد : هم قوم صالحون فقهاء علماء . وقيل : هم الشهداء . ذكره المهدوي . وقال القشيري : وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء ، فرغوا من شغل أنفسهم ، وتفرغوا لمطالعة حال الناس ، فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار ، فإن في قدرة الله كل شيء ، وخلاف المعلوم مقدور . فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها . وقال شرحبيل بن سعد : هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم . وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم . وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل : " وعلى الأعراف رجال " قال : الأعراف موضع عال على الصراط ، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين ، رضي الله عنهم ، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه . وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم ، وهم في كل أمة . واختار هذا القول النحاس ، وقال : وهو من أحسن ما قيل فيه ، فهم على السور بين الجنة والنار . وقال الزجاج : هم قوم أنبياء . وقيل : هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم . وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف ؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون . وقيل : هم أولاد الزنى{[7136]} ؛ ذكره القشيري عن ابن عباس . وقيل : هم ملائكة موكلون بهذا السور ، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ، ذكره أبو مجلز . فقيل له : لا يقال للملائكة رجال ؟ فقال : إنهم ذكور وليسوا بإناث ، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم ، كما أوقع على الجن في قوله : " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن{[7137]} " [ الجن : 6 ] . فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم ، فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها . وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب . قال ابن عطية : واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين . و " يعرفون كلا بسيماهم " أي بعلاماتهم ، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة ، وسوادها وقبحها في أهل النار ، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء .

قلت : فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل ، والله بحقائق الأمور عليم . ثم قيل : الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع ؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض . قال ابن عباس : الأعراف شرف الصراط . وقيل : هو جبل أحد يوضع هناك . قال ابن عطية : وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة ) . وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدا على ركن من أركان الجنة ) .

قلت : وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة ) .

قوله تعالى : " ونادوا أصحاب الجنة " أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة . " أن سلام عليكم " أي قالوا لهم سلام عليكم . وقيل : المعنى سلمتم من العقوبة . " لم يدخلوها وهم يطمعون " أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف ، أي لم يدخلوها بعد . " وهم يطمعون " على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها . وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم . ذكره النحاس . وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ، أن المراد أصحاب الأعراف . وقال أبو مجلز : هم أهل الجنة ، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف . والوقف على قوله : " سلام عليكم " . وعلى قوله : " لم يدخلوها " . ثم يبتدئ " وهم يطمعون " على معنى وهم يطمعون في دخولها . ويجوز أن يكون " وهم يطمعون " حالا ، ويكون المعنى : لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين ، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها ، فلا يوقف على " لم يدخلوها " .


[7132]:راجع ج 17 ص 245.
[7133]:كذا في ا و ج و ك وفي ز: ابن أبي زيد: والظاهر ابن زيد: راجع ج 12 ص 264
[7134]:راجع ج 12 ص 264
[7135]:الصؤابة : بيضة القملة
[7136]:في ع: الزناة
[7137]:راجع ج 19 ص 8