النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ} (46)

قوله عز وجل : { . . . وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمُ } أما الأعراف فسور بين الجنة والنار ، قاله مجاهد ، والسدي ، وهو جَمْعٌ وَاحِدُهُ عُرْف وهو ما ارتفع عن غيره ، ومنه عرف الديك وعرف الفرس ، قال الراجز :

كل كتاب لجمعه موافي *** كالعلم الموفي على الأعراف .

وفي الذين على الأعراف خمسة أقاويل :

أحدها : أنهم فضلاء المؤمنين وعلماؤهم ، قاله الحسن ، ومجاهد ، قال أمية بن أبي الصلت :

وآخرون على الأعراف قد طمعوا *** بجنة حفها الرمان والخضر .

وهذا وإن كان شعراً جاهلياً وحال الأعراف منقول عن خبر يروى فيحتمل أمرين :

أحدهما : أن يكون أمية قد وصل إلى علمه من الصحف الشرعية .

والثاني : أن يكون الله قد أنطق به أمية إلهاماً لتصديق ما جاء به القرآن .

والثاني : أنهم ملائكة يُرَون في صور الرجال ، قاله أبو مجلز .

والثالث : أنهم قوم بطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس ، قاله حذيفة .

والرابع : أنه قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك حتى يقضي الله من أمرهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة ، قاله ابن مسعود .

والخامس : أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وكانوا عصاة لآبائهم ، قيل إنهم غزوا بغير إذنهم ، وقد روى محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال :

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال : " هُمْ قَومٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيةِ آبَائِهِمْ ، فَمَنَعَهُمْ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنِ النَّارِ ومنعهم مَعْصِيَةُ آبَائِهِم أَنْ يَدْخُلُواْ الجَنَّةَ "

ومعنى قوله : { يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ } يعني يعرفون أهل النار وأهل الجنة بعلامتهم التي يتميزون بها ، وعلامتهم في وجوههم وأعينهم ، قال الحسن البصري : علامة أهل النار سواد الوجوه وزرقة العيون ، وعلامة أهل الجنة بياض الوجوه وحسن العيون .

{[1084]}فإن قيل في أصحاب الأعراف : إنهم فضلاء المؤمنين كان ذلك زيادة في ثوابهم ومبالغة في كرامتهم لأنهم يرون منازلهم في الجنة فيستمتعون بها ، ويرون عذاب النار فيفرحون بالخلاص منها .

وإن قيل : إنهم المفضلون وأصحاب الصغائر من المؤمنين كان ذلك لنقص ثوابهم عن استحقاق الدخول للجنة .

وإن قيل : إنهم الملائكة ، احتمل أمرهم ثلاثة أوجه :

أحدها : أن يؤمروا بذلك حمداً لأهل الجنة وذماً لأهل النار وزيادة في الثواب والعقاب .

والثاني : أن يكونوا حفظة الأعمال في الدنيا الشاهدين بها عند الله في الآخرة أمروا بذلك ، ما أدوه من الشهادة تبشيراً لأهل الجنة وتوبيخاً لأهل النار .

والثالث : أن يكونوا خزنه الجنة والنار ، فإن من الملائكة من أفرد لخزنة الجنة ، ومنهم من أفرد لخزنة النار ، ويكون هؤلاء قد جمع لهم بين الأمرين ، والله أعلم بغيب ذلك .

وحكى ابن الأنباري أن قوله : { وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ } معناه على معرفة أهل الجنة والنار رجال ، وأن قوله : { ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوفٌ عَلَيكُم } الآية من قول أصحاب الأعراف ، وهو مخالف لقول جميع المفسرين .


[1084]:من هنا إلى "وهو مخالف لقول جميع المفسرين" سقط من ق.