التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ} (4)

و { بَلَى } حرف إبطال للنفي الذي دل عليه { لن نجمع عظامه } فمعناه بل تجمع عظامه على اختلاف المحملين في معنى الجمع .

و { قادرين } حال من الضمير في الفعل المحذوف بعد { بَلَى } الذي يدل عليه قوله : { أن لن نجمع ، } أي بل نجمعها في حال قدرتنا على أن نُسوي بَنانه .

ويجوز أن يكون { بلى } إبطالاً للنفيين : النفي الذي أفاده الاستفهام الإِنكاري من قوله { أيحسب الإِنسان } والنفي الذي في مفعول { يحسب } ، وهو إبطال بزجر ، أي بَل لِيحسِبْنا قادرين ، لأن مفاد { أن لَنْ نجمع عظامه } أن لا نقدر على جمع عظامه فيكون { قادرين } مفعولاً ثانياً لِيَحْسِبْنَا المقدر ، وعدل في متعلق { قادرين } عن أن يقال : قادرين على جمع عظامه إلى قادرين على أن نسوي بنانه لأنه أوفر معنى وأوفق بإرادة إجمال كيفية البعث والإِعادة .

ولمراعاة هذه المعاني عُدل عن رفع : قادرون ، بتقدير : نحن قادرون ، فلم يقرأ بالرفع .

والتسوية : تقويم الشيء وإتقان الخلْق قال تعالى : { ونفسٍ وما سَواها } [ الشمس : 7 ] وقال في هذه السورة : { فخَلَق فسوى } [ القيامة : 38 ] . وأريد بالتسوية إعادة خلق البنان مقوَّمة متقنة ، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها تستلزمه فإنه ما سُوِّيَ إلاّ وقد أُعيد خلقه قال تعالى : { الذي خلق فسوى } [ الأعلى : 2 ] .

والبَنان : أصابع اليدين والرجلين أو أطرافُ تلك الأصابع . وهو اسم جمع بَنانَةٍ .

وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جميع الجسد لظهور أن تسْوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما تقول : قَلعتْ الريح أوتادَ الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلَّها فإنه قد يكنَّى بأطراف الشيء عن جميعه .

ومنه قولهم : لك هذا الشيء بأسره ، أي مع الحبْل الذي يشد به ، كناية عن جميع الشيء . وكذلك قولهم : هوَ لك برُمته ، أي بحبله الذي يشد به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ} (4)

" بلى " وقف حسن ثم تبتدئ " قادرين " . قال سيبويه : على معنى نجمعها قادرين ، " فقادرين " حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرناه من التقدير . وقيل : المعنى بل نقدر قادرين . قال الفراء : " قادرين " نصب على الخروج من " نجمع " أي نقدر ونقوى " قادرين " على أكثر من ذلك . وقال أيضا : يصلح نصبه على التكرير أي " بلى " فليحسبنا قادرين . وقيل : المضمر ( كنا ) أي كنا قادرين في الابتداء ، وقد اعترف به المشركون . وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميقع " بلى قادرون " بتأويل نحن قادرون . " على أن نسوي بنانه " البنان عند العرب : الأصابع ، واحدها بنانة ، قال النابغة :

بمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأن بنَانَهُ *** عَنَمٌ يكادُ من اللَّطَافَةٍ يُعْقَدِ{[15603]}

وقال عنترة :

وأن الموت طوعُ يدي إذا ما *** وصلت بنَانَها بالهِنْدُوَانِي

فنبه بالبنان على بقية الأعضاء . وأيضا فإنها أصغر العظام ، فخصها بالذكر لذلك .

قال القتبي والزجاج : وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام ، فقال الله تعالى : بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ، ونؤلف بينها حتى تستوي ، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر . وقال ابن عباس وعامة المفسرين : المعنى " على أن نسوي بنانه " أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير ، أو كحافر الحمار ، أو كظلف الخنزير ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئا ، ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء . وكان الحسن يقول : جعل لك أصابع فأنت تبسطهن ، وتقبضهن بهن ، ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك . وقيل : أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم ، فكيف في صورته التي كان عليها ، وهو كقوله تعالى : " وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون " [ الواقعة :61 ] .

قلت : والتأويل الأول أشبه بمساق الآية . والله أعلم .


[15603]:رواية الشطر الأخير كما في اللسان: * عنم على أغصانه لم يعقد * والعنم: شجر لين الأغصان لطيفها، يشبه به البنان.