التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} (1)

مقدمة السورة:

عنونت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ب{ سورة القيامة } لوقوع القسم بيوم القيامة في أولها ولم يقسم به فيما نزل قبلها من السور .

وقال الآلوسي : يقال لها { سورة لا أقسم } ، ولم يذكرها صاحب الإتقان في عداد السور ذات أكثر من اسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت الحادية والثلاثين في عداد نزول سور القرآن . نزلت بعد سورة القارعة وقبل سورة الهمزة .

وعدد آيها عند أهل العدد من معظم الأمصار تسعا وثلاثين آية ، وعدها أهل الكوفة أربعين .

أغراضها

اشتملت على إثبات البعث .

والتذكير بيوم القيامة وذكر أشراطه .

وإثبات الجزاء على الأعمال التي عملها الناس في الدنيا .

واختلاف أحوال أهل السعادة وأهل الشقاء وتكريم أهل السعادة .

والتذكير بالموت وأنه أول مراحل الآخرة .

والزجر عن إيثار منافع الحياة العاجلة على ما أعد لأهل الخير من نعيم الآخرة .

وفي تفسير أبن عطية عن عمر أبن الخطاب ولم يسنده : أنه قال من سأل عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها فليقرأ هذه السورة .

وأدمج في آيات لا تحرك به لسانك إلى { وقرأنه } لأنها في أثناء نزول هذه السورة كما سيأتي .

افتتاح السورة بالقسم مؤذن بأن ما سيذكر بعده أمر مهم لتستشرف به نفس السامع كما تقدم في عدة مواضع من أقسام القرآن .

وكونُ القَسَم بيوم القيامة براعةُ استهلال لأن غرض السورة وصف بيوم القيامة .

وفيه أيضاً كون المقسَم به هو المقسَم على أحواله تنبيهاً على زيادة مكانته عند المُقسِم كقول أبي تمام :

وثَنايَاك إِنَّها اِغرِيضُ *** ولَئاَلٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ

كما تقدم عند قوله تعالى : { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربياً } في سورة الزخرف ( 1 3 ) .

وصيغة { لا أقسم } صيغة قسم ، أدخل حرف النفي على فعل { أقسم } لقصد المبالغة في تحقيق حُرْمة المقسَم به بحيث يُوهِم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أي ولا أقسم بأعزَّ منه عندي ، وذلك كناية عن تأكيد القَسم وتقدم عند قوله تعالى : { فلا أقسم بمواقع النجوم } في سورة الواقعة ( 75 ) .

وفيه محسن بديعي من قبيل ما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم . وهذا لم نذكره فيما مضى ولم يذكره أحد .

والقسم { بيوم القيامة } باعتباره ظرفاً لما يجري فيه من عدل الله وإفاضة فضله وما يحضره من الملائكة والنفوس المباركة .

وتقدم الكلام على { يوم القيامة } غير مرة منها قوله تعالى : { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } في سورة البقرة ( 85 ) .

وجواب القسم يؤخذ من قوله : { أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه } لأنه دليل الجواب إذ التقدير : لنجمعن عظام الإِنسان أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه .

وفي « الكشاف » « قالوا إنه ( أي لا أقسم ) في الإِمام بغير ألف » وتبرأ منه بلفظ ( قالوا ) لأنه مخالف للموجود في المصاحف . وقد نسب إلى البزي عن ابن كثير أنه قرأ { لأقسم } الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي النوري في « غيث النفع » ولم يذكرها الشاطبي . واقتصر ابن عطية على نسبتها إلى ابن كثير دون تقييد ، فتكون اللام لامَ قسم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وهي تسع وثلاثون آية .

قوله تعالى : " لا أقسم بيوم القيامة " قيل : إن " لا " صلة ، وجاز وقوعها في أول السورة ؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض ، فهو في حكم كلام واحد ؛ ولهذا قد يذكر الشيء في سورة ويجيء جوابه في سورة أخرى ، كقوله تعالى : " وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون{[15599]} " [ الحجر : 6 ] . وجوابه في سورة أخرى : " ما أنت بنعمة ربك بمجنون{[15600]} " [ القلم : 2 ] . ومعنى الكلام : أقسم بيوم القيامة ، قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة ، ومثله قول الشاعر :

تذكرت ليلَى فاعترتني صَبَابَةٌ *** فكاد صميمُ القلبِ لا يَتَقَطَّعُ

وحكى أبو الليث السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى " لا أقسم " : أقسم . واختلفوا في تفسير : " لا " قال بعضهم : " لا " زيادة في الكلام للزينة ، ويجري في كلام العرب زيادة ( لا ) كما قال في آية أخرى : " قال ما منعك أن تسجد " [ ص : 75 ] . يعني أن تسجد ، وقال بعضهم : " لا " : رد لكلامهم حيث أنكروا البعث ، فقال : ليس الأمر كما زعمتم .

قلت : وهذا قول الفراء . قال الفراء : وكثير من النحويين يقولون " لا " صلة ، ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة ؛ لأن هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه ، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار ، فجاء الإقسام بالرد عليهم ( في كثير من الكلام المبتدأ منه وغير المبتدأ{[15601]} ) وذلك كقولهم لا والله لا أفعل " فلا " رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروه . وأنشد غير الفراء لامرئ القيس :

فلا وأبيك ابنةَ العامري *** لا يَدَّعِي القومَ أني أَفِرّْ

وقال غُوَيَّة بن سلمى :

ألا نادت أمامةُ باحتمال *** لتُحزنني فلا بِكِ ما أبالي

وفائدتها توكيد القسم في الرد . قال الفراء : وكان من لا يعرف هذه الجهة يقرأ " لأقسم " بغير ألف ، كأنها لام تأكيد دخلت على أقسم ، وهو صواب ؛ لأن العرب تقول : لأقسم بالله وهي قراءة الحسن وابن كثير والزهري وابن هرمز " بيوم القيامة " أي بيوم يقوم الناس فيه لربهم ، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء .


[15599]:سورة الحجر جـ 10 ص 4.
[15600]:سورة القلم جـ 18 ص 253.
[15601]:الزيادة من تفسير الفراء.