التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ} (2)

والمشهور عن ابن كثير خلاف ذلك ، وعطف قوله : { ولا أقسم } تأكيداً للجملة المعطوف عليها ، وتعريف { النفس } تعريف الجنس ، أي الأنفس اللوامة . والمراد نفوس المؤمنين . ووصفُ { اللوامة } مبالغة لأنها تُكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة . وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة ، ولومُها يكون بتفكيرها وحديثها النفسي . قال الحسن « ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه على ما فات ويندم ، يلوم نفسه على الشر لِم فعله وعلى الخير لم لا يستكثر منه » فهذه نفوس خيّرة حقيقة أن تشرف بالقَسَم بها وما كان يوم القيامة إلاّ لكرامتها .

والمراد اللوامة في الدنيا لوماً تنشأ عنه التوبة والتقوى وليسَ المراد لوم الآخرة إذ { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } [ الفجر : 24 ] .

ومناسبة القسم بها مع يوم القيامة أنها النفوس ذات الفوز في ذلك اليوم .

وعن بعض المفسرين أن { لا أقسم } مراد منه عدم القسم ففسر النفس اللوامة بالتي تَلوم على فعل الخير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ} (2)

" ولا أقسم بالنفس اللوامة " لا خلاف في هذا بين القراء ، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيما لشأنه ( ولم يقسم بالنفس{[15602]} ) . وعلى قراءة ابن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية .

وقيل : " ولا أقسم بالنفس اللوامة " رد آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة . قال الثعلبي : والصحيح أنه أقسم بهما جميعا . ومعنى : " بالنفس اللوامة " أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكذا ؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه ، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم . قال الحسن : هي والله نفس المؤمن ، ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلامي ؟ ما أردت بأكلي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ والفاجر لا يحاسب نفسه . وقال مجاهد : هي التي تلوم على ما فات وتندم ، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته ، وعلى الخير لم لا تستكثر منه . وقيل : إنها ذات اللوم .

وقيل : إنها تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها ، فعلى هذه الوجوه تكون اللوامة بمعنى اللائمة ، وهو صفة مدح ، وعلى هذا يجيء القسم بها سائغا حسنا . وفي بعض التفسير : إنه آدم عليه السلام لم يزل لائما لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة . وقيل : اللوامة بمعنى الملومة المذمومة عن ابن عباس أيضا - فهي صفة ذم وهو قول من نفى أن يكون قسما ؛ إذ ليس للعاصي خطر يقسم به ، فهي كثيرة اللوم . وقال مقاتل : هي نفس الكافر يلوم نفسه ، ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله . وقال الفراء : ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها ؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانا ، والمسيء يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته .


[15602]:الزيادة من تفسير ابن عطية وغيره.