التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ} (7)

عُدل عن أن يجابوا بتعيين وقت ليوم القيامة إلى أن يهدَّدوا بأهواله ، لأنهم لم يَكونوا جادِّين في سؤالهم فكان من مقتضى حالهم أن يُنذروا بما يقع من الأهوال عند حلول هذا اليوم مع تضمين تحقيق وقوعه فإن كلام القرآن إرشاد وهدْي ما يترك فُرصَة للهدي والإِرشاد إلاّ انتهزها ، وهذا تهديد في ابتدائه جاء في صورة التعيين لوقت يوم القيامة إيهاماً بالجواب عن سؤالهم كأنه حملٌ لكلامهم على خلاف الاستهزاء على طريقة الأسلوب الحكيم . وفيه تعريض بالتوبيخ على أن فرطوا في التوقي من ذلك اليوم واشتغلوا بالسؤال عن وقته . وقريب منه ما روي أن رجلاً من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم « متى الساعة ؟ فقال له : مَاذا أعددت لها » .

فإن هذه الأحوال المذكورة في الآية مما يقع عند حلول الساعة وقيام القيامة فكان ذلك شيئاً من تعيين وقته بتعيين أشراطه .

والفاء لتفريع الجواب عن السؤال .

و { بَرِق } قرأه الجمهور بكسر الراء ، ومعناه : دُهِش وبُهت ، يقال : برِق يَبرَق فهو بَرِق من باب فرح فهو من أحوال الإِنسان .

وإنما أسند في الآية إلى البصر على سبيل المجاز العقلي تنزيلاً له منزلة مكان البرق لأنه إذا بهت شخص بصره . كما أسند الأعشى البَرَق إلى الأعين في قوله :

كذلك فافْعَلْ ما حييت إِذَا شتوا *** وأقدِمْ إذا ما أعينُ الناس تفرَق

وقرأه نافع وأبو جعفر بفتح الراء من البريق بمعنى اللمعان ، أي لَمَع البصر من شدة شخوصه ، ومضارعه يبرُق بضم الراء . وإسناده إلى البصر حقيقة .

ومآل معنى القراءتين واحد وهو الكناية عن الفزع والرعب كقوله تعالى : { واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } [ الأنبياء : 97 ] ، فلا وجه لترجيح الطبري قراءة الجمهور على قراءة نافع وأبي جعفر ، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ولا من مقتضى التفسير .

والتعريف في { البصر } للجنس المرادِ به الاستغراق ، أي أبصار الناس كلهم من الشدة الحاصلة في ذلك الوقت على أنهم متفاوتون في الرعب الحاصل لهم على تفاوتهم فيما يُعرضون عليه من طرائققِ منازلهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ} (7)

قوله تعالى : " فإذا برق البصر " قرأ نافع وأبان عن عاصم " برق " بفتح الراء ، معناه : لمع بصره من شدة شخوصه ، فتراه لا يطرف . قال مجاهد وغيره : هذا عند الموت . وقال الحسن : هذا يوم القيامة . وقال فيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان كأنه يوم القيامة " إذا برق البصر . وخسف القمر " والباقون بالكسر " برق " ومعناه : تحير فلم يطرف . قاله أبو عمرو والزجاج وغيرهما . قال ذو الرمة :

ولو أن لقمانَ الحكيمَ تَعَرَّضَتْ *** لعينيهِ مَيٌّ سافراً كادَ يَبْرَقُ

الفراء والخليل : " برق " بالكسر : فزع وبهت وتحير{[15605]} . والعرب تقول للإنسان المتحير المبهوت : قد برق فهو برق ، وأنشد الفراء :

فنفسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي *** ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرِقِ{[15606]}

أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك . وقيل : برق يبرق بالفتح : شق عينيه وفتحهما . قاله أبو عبيدة ، وأنشد قول الكلابي :

لما أتاني ابنُ عُمَيرٍ راغبا *** أعطيته عيشا صِهَابًا فبَرَق{[15607]}

أي فتح عينيه . وقيل : إن كسر الراء وفتحها لغتان بمعنى .


[15605]:كلمة "تحير" ساقطة من الأصل المطبوع.
[15606]:قائله: طرفة.
[15607]:في غير القرطبي: لما أتاني ابن صبيح. والعيس الصهاب هي الإبل التي خالط بياضها حمرة، وهي تعد عند العرب من أشرافها.