التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

عطف على جملة : { لا تتبعوا خطوات الشيطان } [ النور : 21 ] عطف خاص على عام للاهتمام به لأنه قد يخفى أنه من خطوات الشيطان فإن من كيد الشيطان أن يأتي بوسوسة في صورة خواطر الخير إذا علم أن الموسوس إليه من الذين يتوخون البر والطاعة ، وأنه ممن يتعذر عليه ترويج وسوسته إذا كانت مكشوفة .

وإن من ذيول قصة الإفك أن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة المُطَّلبي إذ كان ابن خالة أبي بكر الصديق وكان من فقراء المهاجرين فلما علم بخوضه في قضية الإفك أقسم أن لا ينفق عليه . ولما تاب مسطح وتاب الله عليه لم يزل أبو بكر واجداً في نفسه على مسطح فنزلت هذه الآية . فالمراد من أولي الفضل ابتداء أبو بكر ، والمراد من أولي القربى ابتداء مسطح بن أثاثة ، وتعم الآية غيرهما ممن شاركوا في قضية الإفك وغيرهم ممن يشمله عموم لفظها فقد كان لمسطح عائلة تنالهم نفقة أبي بكر . قال ابن عباس : إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا : والله لا نصل مَن تكلَّم في شأن عائشة . فنزلت الآية في جميعهم .

ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } قال أبو بكر : بلى أحب أن يغفر الله لي . ورجّع إلى مسطح وأهله ما كان ينفق عليهم . قال ابن عطية : وكفّر أبو بكر عن يمينه ، رواه عن عائشة .

وقرأ الجمهور : { ولا يأتل } . والايتلاء افتعال من الإلية وهي الحلف وأكثر استعمال الإلية في الحلف على امتناع ، يقال : آلى وائتلى . وقد تقدم عند قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم } في سورة البقرة ( 226 ) . وقرأه أبو جعفر { ولا يتألّ } من تألّى تفعّل من الأليّة .

والفضل : أصله الزيادة فهو ضد النقص ، وشاع إطلاقه على الزيادة في الخير والكمال الديني وهو المراد هنا . ويطلق على زيادة المال فوق حاجة صاحبه وليس مراداً هنا لأن عطف { والسعة } عليه يبعد ذلك . والمعنيّ من أولي الفضل ابتداء أبو بكر الصديق .

والسعة : الغنى . والأوصاف في قوله : { أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } مقتضية المواساة بانفرادها ، فالحلف على ترك مواساة واحد منهم سد لباب عظيم من المعروف وناهيك بمن جمع الأوصاف كلها مثل مسطح الذي نزلت الآية بسببه .

والاستفهام في قوله : { ألا تحبون } إنكاري مستعمل في التحضيض على السعي فيما به المغفرة وذلك العفو والصفح في قوله : { وليعفوا وليصفحوا } . وفيه إشعار بأنه قد تعارض عن أبي بكر سبب المعروف وسبب البر في اليمين وتجهم الحنث وأنه أخذ بجانب البر في يمينه وترك جانب ما يفوته من ثواب الإنفاق ومواساة القرابة وصلة الرحم وكأنه قدم جانب التأثم على جانب طلب الثواب فنبهه الله على أنه يأخذ بترجيح جانب المعروف لأن لليمين مخرجاً وهو الكفارة .

وهذا يؤذن بأن كفارة اليمين كانت مشروعة من قبل هذه القصة ولكنهم كانوا يهابون الإقدام على الحنث كما جاء في خبر عائشة . أن لا تكلم عبد الله بن الزبير حين بلغها قوله : إنه يحجر عليها لكثرة إنفاقها المال . وهو في « صحيح البخاري » في كتاب الأدب باب الهجران .

وعُطف { والله غفور رحيم } على جملة : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } زيادة في الترغيب في العفو والصفح وتطميناً لنفس أبي بكر في حنثه وتنبيها على الأمر بالتخلق بصفات الله تعالى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

وعلى ذكر التزكية والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض - كما يرجون غفران الله لما يرتكبونه من أخطاء وذنوب - :

ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ؛ وليعفوا وليصفحوا . ألا تحبون أن يغفر الله لكم ? والله غفور رحيم . .

نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه - بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة . وقد عرف أنه مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه . وهو قريبه . وهو من فقراء المهاجرين . وكان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عليه . فآلى على نفسه لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا .

نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر ، وتذكر المؤمنين ، بأنهم هم يخطئون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم . فليأخذوا أنفسهم - بعضهم مع بعض - بهذا الذي يحبونه ، ولا يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه ، إن كانوا قد أخطأوا وأساءوا . .

وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية ، التي تطهرت بنور الله . أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه ، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه . فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو ؛ وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ? )حتى يرتفع على الآلام ، ويرتفع على مشاعر الإنسان ، ويرتفع على منطق البيئة . وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله . فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، ويحلف : والله لا أنزعها منه أبدا . ذلك في مقابل ما حلف : والله لا أنفعه بنافعة أبدا .

بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير ، ويغسله من أوضار المعركة ، ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

الحادية والعشرون-قوله تعالى : " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة " الآية . المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة . وذلك أنه كان ابن بنت خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين . وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف . وقيل : اسمه عوف ، ومسطح لقب . وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه لمسكنته وقرابته ، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال ، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا ، فجاء مسطح فاعتذر وقال : إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول . فقال له أبو بكر : لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ، ومرَّ على يمينه ، فنزلت الآية . وقال الضحاك وابن عباس : إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا : والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة ، فنزلت الآية في جميعهم . والأول أصح ، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلف ألا ينفع في هذه صفته غابر الدهر . روي في الصحيح أن الله تبارك وتعالى لما أنزل : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم " العشر آيات ، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله تعالى : " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة " إلى قوله " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " . قال عبدالله بن المبارك : هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى ، فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : لا أنزعها منه أبدا .

الثانية والعشرون-في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا يحبط الأعمال ؛ لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان ، وكذلك سائر الكبائر ، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله ، قال الله تعالى : " لئن أشركت ليحبطن عملك " {[11843]}[ الزمر : 65 ] .

الثالثة والعشرون-من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله أولى منه أتاه وكفر عن يمينه ، أو كفر عن يمينه وأتاه ، كما تقدم في " المائدة ]{[11844]} . ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبّد ذلك أنها جُرحة في شهادته ، ذكره الباجي في المنتقى .

الرابعة والعشرون-قوله تعالى : " ولا يأتل أولوا الفضل " " ولا يأتل " معناه يحلف ، وزنها يفتعل ، من الألية وهي اليمين ، ومنه قوله تعالى : " للذين يؤلون من نسائهم " وقد تقدم في " البقرة " {[11845]} . وقالت فرقة : معناه يقصر ، من قولك : ألوت في كذا إذا قصرت فيه ، ومنه قوله تعالى : " لا يألونكم خبالا " {[11846]}[ آل عمران : 118 ] .

الخامسة والعشرون-قوله تعالى : " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم ، وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام : ( من لا يرحم لا يرحم ) .

السابعة والعشرون-قال بعض العلماء : هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى ، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ . وقيل . أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى : " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا " {[11847]}[ الأحزاب : 47 ] . وقد قال تعالى في آية أخرى : " والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير " {[11848]}[ الشورى : 22 ] ، فشرح الفضل الكبير في هذه الآية ، وبشر به المؤمنين في تلك . ومن آيات الرجاء قوله تعالى : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " [ الزمر : 53 ] . وقوله تعالى : " الله لطيف بعباده " {[11849]} [ الشورى : 19 ] . وقال بعضهم : أرجى آية في كتاب الله عز وجل : " ولسوف يعطيك ربك فترضى " {[11850]} [ الضحى : 5 ] ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار .

السابعة والعشرون-قوله تعالى : " أن تؤتوا " أي ألا يؤتوا ، فحذف " لا " ، كقول القائل :

فقلت يمين الله أبرَحُ قاعدا{[11851]}

ذكره الزجاج . وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار " لا " . " وليعفو " من عفا الربع أي درس فهو محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع .


[11843]:راجع ج 15 ص 276و ص 267.
[11844]:راجع ج6 ص 264 فما بعد.
[11845]:راجع ج 3 ص 103.
[11846]:راجع ج 4 ص 178.
[11847]:راجع ج 14 ص 201.
[11848]:راجع ج 16 ص 20.
[11849]:راجع ج 16 ص 16.
[11850]:راجع ج 20 ص 95.
[11851]:هذا صدر بيت لامرئ القيس وتمامه. *ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي*