قوله تعالى : { وإن لكم في الأنعام لعبرةً } ، لعظة ، { نسقيكم } ، بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين ، قرأ ابن نافع و ابن عامر و أبو بكر و يعقوب والباقون بضمها ، وهما لغتان . { مما في بطونه } ، قال الفراء : رد الكناية إلى النعم ، والأنعام واحد . ولفظ النعم مذكر . قال أبو عبيدة ، والأخفش : النعم يذكر ويؤنث ، فمن أنث : فالمعنى الجمع ، ومن ذكر : فحكم اللفظ . قال الكسائي : رده إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا . وقال المؤرخ : الكناية مردودة إلى البعض والجزء ، كأنه قال : نسقيكم مما في بكونه اللبن ، إذ ليس لكلها لبن ، واللبن فيه مضمر . { من بين فرث } ، وهو ما في الكرش من الثقل ، فإذا خرج منه لا يسمى فرثاً . { ودم لبناً خالصاً } ، من الدم والفرث ، ليس عليه لون دم ، ولا رائحة الرفث . { سائغاً للشاربين } ، هنيئاً ، يجري على السهولة في الحلق . وقيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط . قال ابن عباس : إذا أكلت الدابة العلف ، واستقر في كرشها ، وطحنته ، فكان أسفله فرثاً ، وأوسطه اللبن ، وأعلاه الدم ، والكبد مسلطة عليها ، تقسمها بتقدير الله تعالى ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو .
قوله تعالى : { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ( 66 ) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( 67 ) } . العبرة بكسر العين ، تعني في اللغة : العجب . اعتبر منه ، أي : تعجب{[2557]} . ويراد بها ههنا الآية والدلالة على جلال الخالق في عظيم قدرته وبالغ حكمته ؛ إذ خلق الأنعام حيث النسل والدر . هذا الغذاء السائغ النافع المصفى الذي يتخلق في أحشاء الأنعام من أبقارها ونوقها وشائها ، وذلك هو قوله في كلماته القليلة الجزلة المصطفاة : ( نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ) ، الضمير في ( بطونه ) يعود إلى الأنعام . وهذا اللفظ ذكره سيبويه في الأسماء المفردة ، على لغة بعض العرب ، والفرث معناه : السرجين في الكرش . والسرجين أو السرقين بكسر السين المشددة معناه : الزبل معربا{[2558]} ، وهذا برهان ظاهر باهر بأمر على عظيم قدرة الله ، وآية ساطعة جليلة تثير العجب والاعتبار لمن يعتبر . وذلك أن الله يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم ، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ؛ بل هو خالص من ذلك كله . فإذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما . والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ؛ فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضروع ، ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر{[2559]} .
قوله : ( خالصا سائغا للشاربين ) ( خالصا ) ، أي : مصفى عما يشوبه من لون دم أو رائحة فرث أو غير ذلك من الأوشاب . والسائغ ، سهل المرور في الحلق . ساغ الشراب سوغا ، أي : سهل مدخله{[2560]} . وجاء في الخبر : " ما شرب أحد لبنا فشرق ، إن الله تعالى يقول : ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) وهذه آية عظيمة من آيات الله الكثيرة الدالة على أنه سبحانه حق ، وأنه موجد كل شيء . إن هذه العملية العجيبة في تخليق اللبن وتحصيله من وسط الأحشاء ، حيث الدم والروث والبول والدهن والأوشاب ، ليجيء غذاء سهلا طيبا مستلذا ، تستنفر الحس والذهن ، وتقطع في يقين جازم على عظمة الخالق الصانع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.