معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، بين الله تعال في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف . وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل وقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزاها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " . قوله تعالى { للفقراء والمساكين } . فأخذ أصناف الصدقة : الفقراء ، والثاني : المساكين . واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي يسأل . وقال ابن عمر : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . وقال قتادة ، الفقير : المحتاج الزمن ، والمسكين : الصحيح المحتاج . وروي عن عكرمة أنه قال : الفقراء من المسلمين ، والمساكين من أهل الكتاب . وقال الشافعي : الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا ، زمنا كان أو غير زمن ، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه ، سائلا أو غير سائل . فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : { أما السفينة فكانت لمساكين } [ الكهف79 ] أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة . وعند أصحاب الرأي : الفقير أحسن حالا من المسكين . وقال القتيبي : الفقير : الذي له البلغة من العيش ، والمسكين : الذي لا شيء له . وقيل : الفقير من له المسكن والخادم ، والمسكين من لا ملك له . وقالوا : كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره ، قال الله تعالى : { أنتم الفقراء إلى الله } [ غافر-15 ] ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه ، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة . وقال إبراهيم النخعي : الفقراء هم المهاجرون ، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين . وفى الجملة : الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال ، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره ، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام ، يعنى : ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار : أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب ، فقال : " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " . واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة : فقال الأكثرون : حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة ، وهو قول مالك والشافعي . وقال أصحاب الرأي : حده أن يملك مائتي درهم . وقال قوم : من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة ، لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح ، قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب " ، وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما . وقيل : أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " . قوله تعالى : { والعاملين عليها } . وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها ، فيعطون من مال الصدقة ، فقراء كانوا أم أغنياء ، فيعطون أجر مثل عملهم . وقال الضحاك و مجاهد : لهم الثمن من الصدقة . { والمؤلفة قلوبهم } ، فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم : المؤلفة قلوبهم ، وهم قسمان : قسم مسلمون ، وقسم كفار . فأما المسلمون : فقسمان ، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه تألفا كما أعطى عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام ، وهم شرفاء في قومهم مثل : عدي بن حاتم ، والزبرقان بن بدر ، فكان يعطيهم تألفا لقومهم وترغيبا لأمثالهم في الإسلام ، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة ، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات . والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين : أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع متناء ، لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون ، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم ، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة . وقيل : من سهم المؤلفة . ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام ، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات . وقيل : من سهم سبيل الله . روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا . وأما الكفار من المؤلفة : فهم من يخشى شره منهم ، أو يرجى إسلامه ، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره ، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس ، كما أعطى صفوان بن أمية لما يرى من ميله إلى الإسلام ، أما اليوم فقد أعز الله الإسلام فله الحمد ، وأغناه أن يتألف عليه رجال ، فلا يعطى مشرك تألفا بحال ، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط . روي ذلك عن عكرمة ، وهو قول الشعبي ، وبه قال مالك و الثوري ، وأصحاب الرأي ، و إسحاق بن راهوية . وقال قوم : سهمهم ثابت ، يروى ذلك عن الحسن ، وهو قول الزهري ، و أبي جعفر محمد بن علي ، و أبي ثور ، وقال أحمد : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك . قوله تعالى : { وفي الرقاب } ، والصنف الخامس : وهم الرقاب ، وهم المكاتبون ، لهم سهم من الصدقة ، هذا قول أكثر الفقهاء ، وبه قال سعيد بن جبير ، و النخعي ، و الزهري ، و الليث بن سعد ، و الشافعي . وقال جماعة : يشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون . وهذا قول الحسن ، وبه قال مالك و أحمد و إسحاق . قوله تعالى : { والغارمين } ، الصنف السادس هم : الغارمون ، وهم قسمان : قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته ، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم لكن لهم من المال ما يفي بديونهم ، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون ، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم ، وإن كانوا أغنياء .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك بن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المساكين فأهدى المسكين للغني ، أو لعامل عليها " . ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه . أما من كان دينه في معصية فلا يدفع إليه . وقوله تعالى : { وفي سبيل الله } ، أراد بها : الغزاة ، فلهم سهم من الصدقة ، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ، وما يستعينون به على أمر الغزو من : النفقة ، والكسوة ، والسلاح ، والحمولة ، وإن كانوا أغنياء ، ولا يعطى منه شيء في الحج عند أكثر أهل العلم . وقال قوم : يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج . ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن ، وأحمد ، وإسحاق . قوله تعالى : { وابن السبيل } ، الصنف الثامن : هم أبناء السبيل ، فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة ، سواء كان له في البلد المتنقل إليه مال أو لم يكن . وقال قتادة : ابن السبيل هو الضيف . وقال فقهاء العراف : ابن السبيل الحاج المنقطع . قوله تعالى : { فريضة } أي : واجبة { من الله } ، وهو نصب على القطع ، وقيل : على المصدر ، أي : فرض الله هذه الأشياء فريضة . { والله عليم حكيم } . اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات ، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف : فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف ، وهو قول عكرمة ، وبه قال الشافعي ، قال : يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة ، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء ، لأن سهم المؤلفة ساقط ، وسهم العامل إذا قسم بنفسه ، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر ، فلو فاوت بين أولئك الثلاث ، يجوز ، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحدا صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق ، فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين . وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف ، أو إلى شخص واحد منهم يجوز ، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف ، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا . وهو قول عمر ، وابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وبه قال أحمد ، قال : يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى . وقال إبراهيم : إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف ، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد . وقال مالك : يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة ، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم ، وإن رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم . وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق ، فلا يزيد الفقير على قدر غناه ، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده ، فإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته : يعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته ، ولا يزاد العامل على أجر علمه ، والمكاتب على قدر ما يعتق به . وللغريم على قدر دينه ، وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح ، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو ماله . واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر ، مع وجود المستحقين فيه : فكرهه أكثر أهل العلم ، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، ثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، ثنا زكريا بن إسحاق المكي ، ثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " . فهذا يدل على أنه صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم . واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة ، وسقط الفرض عن ذمته ، إلا ما حكى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة ، علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها{[36582]} وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو{[36583]} تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً {[36584]}بأداة القصر على ما ذكر : { إنما الصدقات } أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده ، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم ، فلذا قال الشافعي : إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به ، فقال : { للفقراء } أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم { والمساكين } أي الذين لا كفاية لهم بدليل{ أما السفينة }{[36585]}[ الكهف : 79 ] وأما{ مسكيناً ذا متربة }{[36586]}[ البلد : 16 ] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه { والعاملين عليها } أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها { والمؤلفة قلوبهم } أي{[36587]} ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : " بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم ، فقال رجل : ما عدلت ! فقال : يخرج من ضئضىء{[36588]} هذا قوم يمرقون من الدين . وفي رواية : فاستأذنه رجل{[36589]} في ضرب عنقه فقال : لا ، دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث . ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد{[36590]} " ولا يقال : إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعلى{[36591]} منها بنفسه أو بأحد من أمته .

ولما فرغ من هذه{[36592]} الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا ، كما دل عليه التعبير باللام ، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير{[36593]} ب " في " فقال : { وفي الرقاب } أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق { والغارمين } أي الذين استدانوا في غير معصية ، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط { وفي } أي والمجاهدين في { سبيل الله } أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك ، ونقل القفال{[36594]} عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن بلده ، يعطى ما يوصله إليه ، ففيه إشارة{[36595]} إلى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً ، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا ، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط ، وقد فرض ذلك ، أو ثابتة{[36596]} للفقراء حال كونها { فريضة } كائنة { من الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح ، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين { حكيم* } أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها ؛ قال أبو حيان : " إنما " إن{[36597]} كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها ، وإن كانت{[36598]} لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به ، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه .

وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب{[36599]} الإعراض عن الله المعطي له ، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات ، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال : أحدهما اكتساب المالك له ، والثاني احتياج الآخذ إليه ، فروعي السببان بقدر الإمكان ، ورجح المالك بإبقاء الكثير ، وصرف إلى الآخذ اليسير . وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال : إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف ، وإن قسم الإمام فعلى سبعة ، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس ، ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين{[36600]} ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف . وقال{[36601]} أبو حنيفة : يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج الصدقة عنهم ، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران{[36602]} .


[36582]:زيد من ظ.
[36583]:في ظ "و".
[36584]:ومن هنا تعرض الأصل لنقص صفحتين كاملتين: 512 و513، فسددة هذا النقص بنسخة ظ.
[36585]:سورة 18 آية 79.
[36586]:سورة 90 آية 16.
[36587]:في ظ: أو.
[36588]:والضئضئ: النسل.
[36589]:ورواية البغوي في المعالم تنص على أنه عمر بن الخطاب ـ راجع هامش لباب التأويل 3/88.
[36590]:وهذه الرواية قد خرجها في كنز العمال ـ قتل الخوارج.
[36591]:في ظ: على ـ كذا.
[36592]:تأخر في ظ عن "الأصناف".
[36593]:ما بين الحاجزين زدناه لاستقامة العبارة، وهو أقرب نسج على منوال المؤلف، وقال في لباب التأويل 3/92: وهي أن الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات فيصرفون ذلك فيما شاؤا، وأما الرقاب فيوضع نصيبهم في تخلي رقابهم من الرق ولا يدفع إليهم ولا يمكنون من التصرف فيه.
[36594]:والمشهور بالقفال في الفقهاء الشافعية سعيد بن عمر النجار وعبد الله بن أحمد المروزي ومحمد بن علي الشاشي وابنه القاسم بن محمد بن علي الشاشي.
[36595]:زدناه لتعديل العبارة.
[36596]:في ظ: تايبه ـ كذا.
[36597]:زيد من البحر المحيط 5/57.
[36598]:زيد من البحر المحيط 5/57.
[36599]:في ظ: يعجب.
[36600]:في ظ: البقين ـ كذا، والمسألة مذكورة في الزكاة من كتاب الأم.
[36601]:في ظ: قا ـ كذا.
[36602]:راجع البحر 5/57 و58.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن سبيل فرضية من الله والله عليم حكيم } .

{ الصدقات } جمع صدقة . وهي إذا أطلقت في القرآن دلت على أنها الزكاة المفروضة . على أن الزكاة المفروضة قد جعلها الله لأصناف ثمانية من الناس على الخصوص دون غيرهم ، وقد بينهم الآية . ويأتي في طليعة هذه الأصناف من الناس المستحقين للزكاة : الفقراء والمساكين . وثمة خلاف بين العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين . وذلك على عدة أقوال نقتضب منها أربعة .

القول الأول : الفقير هو المحتاج المتعفف ، أما المسكين فهو الفقير السائل ، فالفقير لا يسأل الناس ، والمسلكين يسألهم .

القول الثاني : الفقير ، هو الذي ليس له شيء . وأما المسكين فهو الذي له شيء ، وبذلك فإن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، ويحتج لذلك بما رسول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر . وروي عنه أنه قال : ( اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ) . ولو كان المسلكين أسوأ حالا والفقير لتناقض الخبران . والفقير في اللغة أو المفقور هو الكسير الفقار . أو المكسور فقار الظهر . وهو يدل على شدة الحاجة وسوء الحال . هذا قول الشافعية{[1809]} .

القول الثالث : المسكين هو الذي لا شيء له ، والفقير هو الذي له أدنى بلغة ، أو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه . وهو قول الكرخي . وحكاه أبو العباس ثعلب ، ويحتج لذلك بما روي البخاري عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان ؛ ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحق أو لا يسأل الناس إلحافا ) . وأخرج البخاري كذلك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسلكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن به فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ) وذلك يدل على أن المسكين لهم أسوأ حالا من الفقير{[1810]} .

القول الرابع : الفقير هو المحتاج الذي به زمانة ، والمسكين هو المحتاج الصحيح . وهو قول قتادة{[1811]} .

الصنف الثالث : { العاملين عليها } وهم السعاة أو الجباة الذين يبعثهم الإمام لجمع الزكاة من المالكين ؛ فهم بذلك وكلاء عن الإمام في هذه الوجيبة ، وهؤلاء السعاة يستحقون حظا من الزكاة جزاء عملهم .

أما ما يأخذونه من الزكاة ، فقيل : يأخذون الثمن . وذلك بقسمة الله الصدقات على أصناف ثمانية . وهو قول الشافعي . وقيل : يعطون قدر عملهم من الأجرة . وهو قول الحنفية والمالكية . وقال به ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز . وقيل : يعطون من بيت المال ، ومن غير مال الزكاة ، وهو ضعيف ؛ لأن سهمهم في الزكاة مذكورا نصا في الآية { والعاملين عليها } .

الصنف الرابع : { المؤلفة قلوبهم } وهم قوم يتألفهم المسلمون على الإسلام فيعطون نصيبا من الزكاة . وهم ثلاثة أنواع :

النوع الأول : كفار يعطون لدفع معرتهم وكف أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين ، والمعرة هي الإثم وهو يعر قومه ؛ أي يدخل عليهم مكروها ، وعرة بضم العين ، وعارورة ؛ أي قذر{[1812]} .

النوع الثاني : كفار يعطون لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار من اجل الدخول في الإسلام ، ولئلا يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ، وعلى هذا فالمؤلفة قلوبهم من الكفار صنفان : من يرجي إسلامه ، ومن يخشى شره . فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من اجل استمالتهم او دفع شرهم{[1813]} .

النوع الثالث : مسلمون حديثو عهد بالكفر ، يتألفهم الإمام من سهم الزكاة أو المصالح ، على الخلاف في ذلك . وذلك لترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوبهم ودفع الفتنة عنهم ، المحتملة من الشرك والمشركين .

وما ينبغي لمرتاب أو جاهل أن يعجب أو يتساءل عن وجه الإعطاء لها النصيب من الزكاة من أجل أن تتألف قلوب الكافرين والحاقدين والمترددين ؛ فإنه المسألة معقولة وجلية لمن تدبر أو تفكر . وأساس الأمر في هذه المسألة أن الإسلام يراعي أصناف البشر من حيث اختلاف طبائعهم وأهوائهم وفطرهم فما خلق الله الناس على نسق واحد متحد من الطبع والفطرة . وإنما الناس في ذلك مختلفون متفاوتون . فمن الناس من تستميله الكلمة الرقيقة الرحيمة والأسلوب الكريم الحاني ليسلس لمحدثه القياد والطاعة فيسير معه في لين وود ، ومنهم من يؤثر فيه البرهان الساطع والحجة الدامغة حتى إذا دخله اليقين وغشيته القناعة ؛ جنح للصواب ، واستجاب لنداء الحق المبين ، وسار مع السائرين في ظل الله وفي ضوء منهجه الحكيم الشافي . ومن الناس من لا تستميله حجة ولا برهان ، ولا يؤثر فيه علم ولا بيان ، ولا يعطف عقله أو قلبه أساليب العاطفة الغامرة أو التحنان الندي ؛ بل تؤثر فيه أسباب القوة والسنان ، وتردعه عن ظلمه وترديه في الفاحشة والضلال ؛ شدة البأس وقوة الشكيمة والترهيب . ومن الناس من لا يعطفه أو يؤثر فيه شيء مما ذكر ؛ فلا يجدي معه النقاش والبرهان ، ولا يستميله الخلق وقوة البيان . ولا يستميله أو يستعطفه الترهيب واشتداد الشكيمة . وإنما يستميله المال وحده . فإذا هو أوتي نصيبا من المال رق ولان ، وجنح لحب من يحسن إليه بالعطية . ومن أجل ذلك شرع الإسلام نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة مراعاة لطبائع البشر التي لا يحبط بحقيقتها ولا يعلمها كامل العلم إلا بارئها { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .

انقطاع سهم المؤلفة قلوبهم .

هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثمة قولان للعلماء في ذلك :

القول الأول : وهو سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الحنيفة والشافعية في أحد القولين لهم . وقال به عمر والحسن والشعبي وآخرون ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى انقطاع هذا الصنف من مستحقي الزكاة بعز الإسلام وظهوره . وعللوا انتهاء هذا الحكم بانتهاء علته ؛ وذلك كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار . وأجيب عن ذلك : بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علته كما في الرمل والاضطباع{[1814]} في الطواف ، فإن انتهاءها لا يستلزم انتهاءه .

القول الثاني : إثبات سهم المؤلفة قلوبهم وعدم انقطاعه ، وهو قول الحنبلية والشافعية في المعتمد من مذهبهم ، واحتجوا بظاهر الآية ؛ فقد سمى الله المؤلفة قلوبهم في الأصناف الثمانية الذين سمى لهم الصدقة . وكذلك السنة ؛ فقد أخرج البيهقي بإسناده عن زياد بن الحارث الصدائي ( رضي الله عنه ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، ثم أتاه آخر فقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أجواء ، فغن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك –أو أعطيناك- حقك ) وقد ثبن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مشهورة أنه أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يزل كذلك حتى مات . ولا يجوز نرك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ ؛ ولا نسخ .

قال الزهري في هذا المعنى : لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة . وقال ابن العربي أيضا : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم{[1815]} .

والراجح عندي أن إعطاءهم منوط بالإمام ؛ فإن وجد في إعطائهم مصلحة للإسلام أعاطهم ، وإلا توقف إعطاؤهم ؛ فإنما يعول في ذلك على مصلحة الإسلام من حيث ترغيب الناس فيه واستمالتهم إليه ودرء شرهم وكيديهم عنه .

الصنف الخامس : { وفي الرقاب } والمراد بهؤلاء موضع خلاف نوجزه في قولين :

الصنف الأول : المراد بهم المكاتبون ؛ وهو أن يصرف إليهم هذا السهم من الزكاة ؛ فلا يجزي العتق من الزكاة ؛ وهو قول أكثر العلماء ؛ وهو أن إعطاء المكاتبين من الزكاة هو المراد من الآية ، أما عنق الرقبة ؛ فإنه لا يسمى صدقة ؛ لأن إيتاء الزكاة تمليك الأخذ ، وليس العتق تمليكا لمال . ويستدل على ذلك أيضا من السنة بما أخرجه البيهقي عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا مؤمل أول مكاتب في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعينوا أبا مؤمل ) فأعين ما أعطى كتابه ،

وفضلت فضلة فاستفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يجعلها في سبيل الله .

القول الثاني : { وفي الرقاب } معناه فك الرقاب ؛ وبذلك يجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة ويعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين ، وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز ، وهو قول المالكية ، وقد روي عن ابن عباس والحسن ، وهي رواية عن أحمد ، وقال به إسحاق وأبو عبيد وأبوة ثور . واحتجوا بقوله : { وفي الرقاب } فإن كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله . فإذا كان له أن يشتري فرسا من الزكاة ؛ فإنه يجوز له أن يشتري رقبة ، ولا فرق بين ذلك{[1816]} .

الصنف السادس : { والغارمين } وهو جمع ومفرده الغارم . وهو المدين ، وقد يكون الغريم الدائن . والغرامة ما لزم أداؤه . وكذا المغرم والغرم ، وعلى العموم فإن الغارمين هم الذين أثقلهم الدين وليس عندهم ما يوفون به دينهم ، فإن هؤلاء يعطون من الزكاة بغير خلاف إلا إذا كان استدان في سفاهة ؛ فإنه لا يعطي من الزكاة إلا أن يتوب إلى ربه{[1817]} . وثمة مسائل في هذا الصدد :

المسألة الأولى : إذا كان لرجل على معسر دين فأراد أن يجعله عن زكاته فقال له : جعلته عن زكاتي ؛ ففي جواز ذلك قولان :

القول الأول : عمد الجواز ، وهو قول الحنبلية والشافعية ، وكذا المالكية في أحد القولين لهم . ووجه ذلك : أن الزكاة في ذمة المزكي ولا يبرأ إلا بإقباضها . واحتسابها بدلا عن الدين لا يكون إقباضا ؛ فلا يحتسب الدين من الزكاة قبل قبضه . ومعلوم أن الزكاة إيتاء ، أما هذا فهو إسقاط ، وهما مختلفان .

القول الثاني : الجواز ، وعلى هذا لو تصدق على مدينه الفقير جاز ؛ لأن المدين قبض عينا ، والعين تجوز عن العين والدين جميعا ، وهو قول الحنفية وكذا الشافعية والمالكية في قول لهم ، وقد ذهب إليه الحسن البصري وعطاء{[1818]} .

المسألة الثانية : لو مات وعليه دين وليس له تركة ، هل يقضي دينه من سهم الغارمين ؟ ثمة قولان في هذا :

أحدهما : الجواز ، وهو قول المالكية ، والشافعية في أحد قوليهم . وعلى هذا لو مات فإنه يوفى دينه من الزكاة إن استدان في غير فساد كشرب خمر أو قمار ونحو ذلك .

ثانيهما : عدم الجواز ، وهو قول الحنفية ، والشافعية في قولهم الثاني ، وهو مذهب أحمد . ووجه هذا القول : أن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه . ودليل ذلك أن ما أخرجه الدراقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفشه ؛ من ترك كالا فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي ؛ أنا أقضي دينه ، وأفك عانيه ) {[1819]} .

المسألة الثالثة : وهي نقل الزكاة من بلد على بلد آخر . فثمة خلاف بين العلماء في ذلك ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الزكاة تقسم في كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره من البلدان . وإن أخرجها وأعطاها الفقراء جاز مع الكراهة . وروي عن أبي حنيفة قوله إنه لا بأس أن يبعث الزكاة من بلد إلى آخر إلى ذي قرابته .

وذهبت الشافعية إلى أن صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال دون غيره واجب . أما إن نقلها إلى بلد آخر ففي المذهب قولان : الجواز ؛ لأنهم من أهل الصدقات . والثاني : عدم الجواز ؛ لأن الزكاة حق واجب لأصناف البلد . فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لا يجزئه ذلك .

وذهبت الحنبلية إلى أن الصدقة لا يجوز نقلها من بلدها إلى مسافة القصر واحتجوا بالخبر وهو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : ( أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) وهذا يختص بفقراء بلدهم ، ولأن المقصود إغناء الفقراء بها فإذا نقلها أفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين . على أنه لو خالف ونقلها إلى بلد آخر أجزأه ذلك . وهو قول أكثر العلماء{[1820]} .

الصنف السابع : { وفي سبيل الله } وفي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء ، فالمراد بذلك عند أبي يوسف من الحنفية : فقراء الغزاة وهم المجاهدون . وقال محمد ابن الحسن الشيباني : المراد به منقطع الحاج . واحتج بما روي البخاري عن أبي لاس قال : ( حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ) ولا تصرف الزكاة باتفاق الحنفية إلى أغنياء الغزاة ، فإن مصرف الزكاة هم الفقراء ؛ وذلك لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن حنبل حين بعثه إلى اليمن : { فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) وهذا يدل على أن الزكاة لا تصرف لأغنياء المجاهدين بل للفقراء{[1821]} .

أما الشافعية فذهبوا إلى أن سهم سبيل الله المذكور في الآية يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في ديوان السلطان بل يغزون متطوعين ، واحتجوا من السنة بما أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو لغاز في سبيل الله ، أو لغني اشتراها بماله ، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم ) وبذلك فإنه يعطي المجاهد سواء كان غنيا أو فقيرا ، ويعطي ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والدابة وغير ذلك من أسباب الحرب . على أنه يعطي الدين يتطوعون للجهاد وليس لهم أرزاق مرتبة في الديوان . أما الغزاة المرتبون في ديوانه السلطان ولهم فيه حق : فلا تعطون من الزكاة من غير خلاف في المذهب{[1822]} .

وذهبت المالكية إلى أن المراد بهذا الصنف الغزاة وموضع الرباط ؛ فهم يعطون ما ينفقون في غزوهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء{[1823]} واحتجوا بما ٍأخرجه أبو داود عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني ) .

أما الحنبلية فقالوا : إن المراد بقوله : { وفي سبيل الله } : الحج . وبذلك يعطي هذا السهم للحجاج والعمار . وهو قول الحسن وإسحق . وقال به محمد بن الحسن من الحنفية . واستدلوا على ذلك بقول أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج .

الصنف الثامن : { وابن السبيل } والمراد به المسافر الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده وماله وإن كان غنيا في بلده ؛ فإنه يعطي من الصدقة وإن كان له مال في بلده ولا يلزمه إشغال ذمته بالدين .

وعلى هذا فإن ابن سبيل وهو المسافر المجتاز في بلد وليس معه شيء يستعين به على سفره ، يعطي من الصدقات ما يكفيه إلى بلده . وكذلك من أنشأ سفرا من بلده وليس معه شيء ؛ فإنه يعطي من مال الزكاة ما يكفيه في ذهابه وإيابه ، ويستدل على ذلك بظاهر الآية ، وبالخبر : ( لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو جار فقير تصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك ) .

ويعطي المسافر ما يحتاجه للمؤونة فيلا سفره ولا يضر غناه في غير سفره . وإن كان سفره في طاعة كحج أو جهاد أو زيارة مفروضة أو مندوبة أو نحو ذلك ؛ دفع إليه من الزكاة . بغير خلاف في ذلك . أما إن كانت سفره في معصية كقطع الطريق ونحو ذلك من وجوه المعصية والإفساد ؛ فلا يعطي من الزكاة بغير خلاف لما في الدفع إليه من عون على المعصية . وأما إن كان السفر في مباح كتحصيل رزق ، أو استيطان في بلد ، أو يقصد التنزه ؛ فإنه يدفع له على الأصح . وذلك على سبيل الرفق بالمسافر في المباح ، قياسا على الرفق به في الطاعة{[1824]} .

أما هل تعطي الزكاة لصنف واحد ، فثمة قولان في ذلك :

القول الأول : جواز إعطاء الزكاة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية ، فإن أعطاها صنفا واحدا أجزأته . وهو قول الحنفية والمالكية والحنبلية ، وقال به من السلف عمر وحذيفة وابن عباس ، وسعيد بن جبير والسحن والنخعي وعطاء وعمر ابن عبد العزيز{[1825]} . واستدلوا على ذلك بظاهر قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } وهذا عموم في جميع الصدقات ؛ لأنه اسم جنس لدخول الألف وللام عليه . ويدل ذلك على دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء . وكذلك قوله تعالى : { في أموالهم حق معلوم 24 للسائل والمحروم } وهذا يجوز إعطاء الصدقة هذين الصنفين والمستحقين وهو ما ينفي وجوب قسمتها على ثمانية أصناف .

واستدلوا من السنة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) فدل ذلك على أنه مأمور برد الصدقة بجملتها في الفقراء وهم صنف واحد ولم يذكر سواهم .

واستدلوا بجملة من الآثار منها ما أخرجه البيهقي عن حذيفة قال : إذ أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه . وكذلك ما أخرجه البيهقي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } قال : يجزيك أن تجعلها في صنف واحد من هذه الأصناف{[1826]} .

القول الثاني : وجوب صرف الزكاة إلى ثمانية أصناف وهم المذكورون في الآية . ودليل ذلك قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغامرين وفي سبيل الله وابن سبيل } فقد أضاف جميع الصدقات إلى الأصناف الثمانية كلهم . وذلك بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك . فدل ذلك على أن مال الزكاة مملوك لهم ، مشترك بينهم . على أنه يجب التسوية بين الأصناف الثمانية في التوزيع دون تفضيل بينهم . وهذا قول الشافعية وأهل الظاهر ؛ لأن الله سوى بينهم في الآية . فإن وجدت الأصناف الثمانية وجب لكل صنف ثمن . وإن وجد منهم خمسة أصناف وجب لكل صنف خمس ، ولا يجوز تفضيل صنف على صنف بالاتفاق في المذهب . وإذا فقد بعض الأصناف فلم يوجدوا في البلد ولا غيره ، قسمت الزكاة بكمالها على الموجودين من باقي الأصناف .

صرف الزكاة في غير مصارفها الثمانية

لقد خصت الآية الأصناف الثمانية بالزكاة . وتبين ذلك من قوله : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، وإنما ، تفيد الحصر . فالزكاة بذلك يجب حصرها في الأصناف الذين ذكرتهم الآية وهم ثمانية دون غيرهم . وعلى هذا لا تصرف الزكاة في وجوه البر أو المشاريع الخيرية المختلفة كبناء المساجد والقناطير والجسور والسقايات وإصلاح الطرقات وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف ونحو ذلك من وجوه الخير والإصلاح . 3 وقد ذهب إلى ذلك هامة أهل العلم احتجاج بقوله تعالى : { إنما الصدقات } فقوله : { إنما } يفيد الحصر والإثبات ؛ فهي تثبت المذكور وتنفي ما عداه . وذهب أنس والحسن إلى صرف الزكاة في المشاريع الخيرية ومختلفة وجوة البر والإصلاح من غير الأصناف استنادا إلى عموم قوله تعالى : { وفي سبيل الله } {[1827]} .

حد الغنى

اختلفوا في وصف الغني الذي لا يجوز معه أخذ الزكاة ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الغني هو ملك النصاب ؛ فمن ملك نصابا كان غنيا ، وليس له أن يأخذ من الزكاة{[1828]} .

وذهب الحنبلية في الأظهر من مذهبهم إلى أن الغنة هو مالك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب ، أو وجود ما تحصل به الكفاية من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك . ولو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك النصاب ، وهو الظاهر من مذهب أحمد ، وقال به الثوري والنخعي وإسحاق{[1829]} .

أما المالكية والشافعية في جملة قولهم : أن الغني من كانت عنده كفاية تغنيه . وعلى هذا فالفقير الذي يستحق سهما في الزكاة هو الذي ليس له كفاية من مال وهو غير متكسب ؛ فمن كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملا به وليس له مال أو كسب فهو فقير{[1830]} .

قوله : { فريضة من الله } { فريضة } منصوب على المصدر ؛ أي فرض الله الصدقات على المسلمين فريضة .

قوله : { والله عليم حكيم } الله عليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من الأحكام ، وهو كذلك حكيم ؛ إذ يضع الأشياء في مواضعها ، ويدبر الأمور ، خير تدبير وذلك عن حكمة بالغة وعلم أزلي مطلق{[1831]} .


[1809]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 364 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949.
[1810]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949 والقاموس المحيط جـ 2 ص 115.
[1811]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 322، 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949.
[1812]:مختار الصحاح ص 422، 423.
[1813]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 324 والمجموع جـ 6 ص 198 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 259.
[1814]:الاضطباع: ما يؤمر به الطائف بالبيت أن يدخل الرداء تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، وبيدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر. سمي بذلك الإبداء أحد الضبعين. انظر مختار الصحاح ص 376.
[1815]:شرح فتح القدير ومعه شرح العناية جـ 2 ص 260 والمغنى جـ 2 ص 666 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 954 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 181.
[1816]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 182 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 955.
[1817]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 184 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 327.
[1818]:البيان شرح الهداية جـ 3 ص 208 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 1 ص 236 والمجموع جـ 6 ص 210.
[1819]:البناية جـ 3 ص 208 والمجموع جـ 6 ص 221 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 956 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 1 ص 233.
[1820]:المغنى جـ 2 ص 672- 674 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 174- 176.
[1821]:شرح فتح القدير جـ 2 ص 264 والبناية جـ 3 ص 198.
[1822]:المجموع جـ 6 ص 212، 213 والأنوار ومعه حاشية الكمثري جـ 1 ص 219.
[1823]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 957 وبداية المجتهد جـ 1 ص 234.
[1824]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 330 والبناية جـ 3 ص 201 والمجموع جـ 6 ص 14، والأنوار ج، 1 ص 219.
[1825]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 344 والمغني جـ 2 ص 668 وأسهل المدارك جـ 1 ص 410 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 265 وبداية المجتهد جـ 1 ص 232.
[1826]:المجموع جـ 6 ص 216 والأنوار جـ 1 ص 223 والأحكام السلطانية للماوردي ص 123 والمحلي جـ 6 ص 143
[1827]:فتح القدير جـ 2 ص 373 والمغني جـ 2 ص 667 وأسهل المدارك جـ 1 ص 412 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 267.
[1828]:شرح البيانة جـ 3 ص 209.
[1829]:المغني جـ 2 ص 661.
[1830]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 961 والمجموع جـ 6 ص 190 والأنوار جـ 1 ص 2.
[1831]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 192 وتفسير البيضاوي ص 258.