قوله تعالى : { وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } ، نزلت في النصارى وهم أصناف أربعة : اليعقوبية ، والملكانية ، والنسطورية ، والمرقسية . فقالت اليعقوبية : عيسى هو الله ، وكذلك الملكانية ، وقالت النسطورية : عيسى هو ابن الله ، وقالت المرقسية : ثالث ثلاثة . فأنزل الله هذه الآية . ويقال : الملكانية يقولون : عيسى هو الله . واليعقوبية يقولون ابن الله ، والنسطورية يقولون : ثالث ثلاثة ، علمهم رجل من اليهود يقال له بولص ، سيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى ، وقال الحسن : يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى ، فإنهم جميعاً غلوا في أمر عيسى ، فاليهود بالتقصير ، والنصارى بمجاوزة الحد ، وأصل الغلو : مجاوزة الحد ، وهو في الدين حرام . قال الله تعالى : { لا تغلوا في دينكم } ، لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله الكذب .
قوله تعالى : { ولا تقولوا على الله إلا الحق } ، لا تقولوا إن له شريكاً وولداً .
قوله تعالى : { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته } ، وهي قوله ( كن فكان ) بشراً من غير أب ، وقيل غيره .
قوله تعالى : { ألقاها إلى مريم } أي أعلمها وأخبرها بها ، كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة .
قوله تعالى : { وروح منه } . قيل هو روح كسائر الأرواح ، إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفاً . وقيل : الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في درع مريم فحملته بإذن الله تعالى ، سمي النفخ روحاً لأنه ريح يخرج من الروح ، وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره . وقيل : روح منه ، أي ورحمة ، فكان عيسى عليه السلام رحمةً لمن تبعه ، وآمن به . وقيل : الروح : الوحي ، أوحى إلى مريم بالبشارة ، وإلى جبريل عليه السلام أن كن فكان ، كما قال الله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره } [ النحل :2 ] يعني : بالوحي ، وقيل :أراد بالروح جبريل عليه السلام ، معناه : كلمته ألقاها إلى مريم ، وألقاها أيضاً ، روح منه بأمره ، وهو جبريل عليه السلام ، كما قال : { تنزل الملائكة والروح فيها } [ القدر :4 ] يعني : جبريل فيها ، وقال :{ فأرسلنا إليها روحنا } [ مريم :17 ] يعني : جبريل .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد ابن إسماعيل ، أنا صدقة بن الفضل ، أنا الوليد عن الأوزاعي ، حدثنا عمرو بن هاني ، حدثني جنادة بن أمية ، عن عبادة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، أدخله الجنة على ما كان من العمل ) . قوله تعالى : { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة } ، أي : ولا تقولوا هم ثلاثة ، وكانت النصارى تقول : أب ، وابن ، وروح القدس .
قوله تعالى : { انتهوا خيراً لكم } تقديره : انتهوا يكن الانتهاء خيراً لكم .
قوله تعالى : { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } ، واعلم أن التبني لا يجوز لله تعالى ، لأن التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد .
قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } .
ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم ، وكان{[23934]} ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك ، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره ، وغلا في شأنه اليهود بخفضه ، والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه{[23935]} فقال : { يا أهل الكتاب } أي{[23936]} عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره ، فتجاوزوا بسببه حدود{[23937]} الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع ، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة ، فقد أغرق في الباطل ، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر{[23938]} المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه{[23939]} الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضاً{[23940]} لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد{[23941]} يوصف به غيره بيّنه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : { ابن مريم } أتصل بها اتصال{[23942]} الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة{[23943]} إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب{[23944]} اليهود .
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس{[23945]} الكلمة فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كوناً خارقاً للعوائد { ألقاها } أي أوصلها على [ علو {[23946]} ] أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا { إلى مريم } وحصلها{[23947]} فيها وزاده {[23948]} تشريفاً بقوله : { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكّون{[23949]} في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو{[23950]} النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح{[23951]} إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي{[23952]} وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل{[23953]} : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن .
ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر .
ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم{[23954]} عن التلبس بالباطل فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها{[23955]} اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا{[23956]} : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم{[23957]} إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .
ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً{[23958]} في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه{[23959]} إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيراً{[23960]} لكم } .
ولما نفى أن يكون هو الله{[23961]} ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه .
ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره ، فنزهه{[23962]} عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه {[23963]}وبعد بعداً{[23964]} عظيماً وعلا علواً كبيراً{[23965]} { أن } أي عن أن { يكون{[23966]} له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي{[23967]} الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحداً ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له{[23968]} { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً{[23969]} ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما{[23970]} ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .
ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما{[23971]} وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل {[23972]}بالحقيقة ليكفي{[23973]} من وكله كل{[23974]} ما يهمه ؛ كان{[23975]} كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في{[23976]} تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة { وكيلاً * } أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو{[23977]} إلى شيء ، وإلا لما كان كافياً .