قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة } أي : ما أنزل الله ، ولا أمر به .
قوله تعالى : { ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } ، قال ابن عباس في بيان هذه الأوضاع : البحيرة ، هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها ، أي : شقوها ، وتركوا الحمل عليها ، ولم يركبوها ، ولم يجزوا وبرها ، ولم يمنعوها الماء والكلأ ، ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء ، وإن كان أنثى بحروا أذنها ، أي : شقوها ، وتركوها ، وحرم على النساء لبنها ، ومنافعها ، وكانت منافعها خاصة للرجال ، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء . وقيل : كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت ، فلم يركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ، ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم يركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، كما فعل بأمها ، فهي البحيرة بنت السائبة . وقال أبو عبيدة : السائبة : البعير الذي يسيب ، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال : إن شفاني الله تعالى أو شفى مريضي ، أو عاد غائبي ، فناقتي هذه سائبة . ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ، ولا ماء ، ولا يركبها أحد ، فكانت بمنزلة البحيرة . وقال علقمة : هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ، ولا عقل ، ولا ميراث . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الولاء لمن أعتق ) .
والسائبة فاعلة ، بمعنى المفعولة . وهي المسيبة ، كقوله تعالى : { ماء دافق } أي : مدفوق ، وعيشة راضية ، وأما الوصيلة : فمن الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا ، فإن كان السابع ذكرا ذبحوه ، فأكل منه الرجال والنساء ، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم ، وإن كان ذكراً وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى ، وقالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوه . وكان لبن الأنثى حراماً على النساء ، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا .
وأما الحام : فهو الفحل إذا ركب ولده ، ويقال : إذا نتج من صلبه عشرة أبطن ، قالوا : حمي ظهره ، فلا يركب ، ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من كلأ ، ولا ماء ، فإذا مات أكله الرجال والنساء .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس . والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء . قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيب السوائب ) .
روى محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي صالح السمان . عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكتم بن جون الخزاعي : ( يا أكتم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار ، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ، ولا به منك ، وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ، ونصب الأوثان ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي ، فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ، فقال أكتم : أيضرني شبهه يا رسول الله ؟ فقال : لا إنك مؤمن وهو كافر .
قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } ، في قولهم : الله أمرنا بها .
ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا مَنْ رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتماداً على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئاً{[27836]} ينفعهم ولا{[27837]} مبد لهم شيئاً{[27838]} يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك ، قال معللاً بختام{[27839]} الآية التي قبلها : { ما جعل الله } أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئاً إلا وهو على{[27840]} غاية الحكمة ، وأغرق{[27841]} في النفي بقوله : { من بحيرة } وأكد النفي بإعادة النافي فقال : { ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام{[27842]} } دالاً بذلك على أن{[27843]} الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه{[27844]} على الخبيث{[27845]} دون الطيب ، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال ، فإذا هو مما{[27846]} لا يعبأ{[27847]} الله به بل ومما يعذب عليه ، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب ، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك ، ثم{[27848]} صار لهم ديناً{[27849]} ، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر ، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي{[27850]} وهو{[27851]} أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن عمْراً أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي " ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره : " وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام{[27852]} "
ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار{[27853]} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه{[27854]} في النار ، وكان أول من سيّب السوائب " قال ابن هشام في السيرة : والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو{[27855]} يتصدق به وتهمل{[27856]} لآلهتهم . وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس ، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء . وكذا رواه البخاري أيضاً في التفسير وقال : والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى . وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما{[27857]} بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي{[27858]} في إعرابه : قال أبو عبيد{[27859]} : وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، في الآخر{[27860]} . ذكر ، شقوا{[27861]} أذنها وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك ، وقال أبو حيان في النهر : قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق ، وكان الرجل يسيب من ماله شيئاً فيجيء به إلى{[27862]} السدنة وهم{[27863]} خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل ، والوصيلة قال ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن ، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع{[27864]} النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء ، وإن كان ذكراً{[27865]} ذبحوه وأكلوه جميعاً{[27866]} ، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا{[27867]} : وصلت أخاها{[27868]} ، فتترك مع أخيها فلا تذبح{[27869]} ، ومنافعها للرجال دون النساء ، فإذا {[27870]}ماتت اشترك{[27871]} الرجال والنساء فيها . وقال ابن هشام{[27872]} : والحامي الفحل إذا نتج له{[27873]} عشر إناث{[27874]} متتابعات ليس بينهن ذكر ، حمى ظهره فلم يركب ظهره{[27875]} ولم يجزّ وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع منه{[27876]} بغير ذلك . وقال السفاقسي : قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم - واختاره أبو عبيدة و الزجاج - : هو الفحل ينتج من صلبه{[27877]} عشرة أبطن{[27878]} فيقولون : قد{[27879]} حمى ظهره ، فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء .
ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء ، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله ، وكان لا إله إلا الله ، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله سبحانه كذباً ، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل{[27880]} شيئاً من ذلك : { ولكن الذين كفروا } أي ستروا ما دل عليه{[27881]} عقلهم من أن الله ما جعل هذا ، لأنهم لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه ، فلذلك قال : { يفترون } أي يتعمدون بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب } فيحرمون ما لم يحرمه{[27882]} ويحللون ما لم يحلله{[27883]} { وأكثرهم } أي هؤلاء الذين جعلوا هذه الأشياء { لا يعقلون * } أي لا يتجدد لهم عقل ، وهم الذين ماتوا على كفرهم .