معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : { إن يمسسكم قرح } . قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر قرح بضم القاف حيث جاء ، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد ، وقال الفراء : بالفتح اسم للجراحة ، وبالضم اسم لألم الجراحة ، هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن يقول الله تعالى لهم : ( إن يمسسكم قرح ) . يوم أحد .

قوله تعالى : { فقد مس القوم قرح مثله } . يوم بدر .

قوله تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } . فيوم لهم ويوم عليهم ، أديل المسلمون من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين ، وأسروا سبعين ، وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أنا زهير ، أخبرنا أبو إسحاق قال :سمعت البراء بن عازب يحدث قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد ، وكانوا خمسين رجلاً ، عبد الله بن جبير ، فقال : " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم ، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن ، فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة ، أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين . فذلك قوله ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين . وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين ، سبعين أسيراً ، وسبعين قتيلاً ، فقال أبو سفيان : أفي القوم محمد ؟ ثلاث مرات ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ، ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاث مرات ، ثم قال : أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ، ثم رجع إلى أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا ، فما ملك عمر نفسه فقال : كذبت والله يا عدو الله ، إن الذين عددت لأحياء كلهم ، وقد بقي لك ما يسوءك ، قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلهً لم آمر بها ولم تسؤني ، ثم أخذ يرتجز :أعل هبل أعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه ؟ قالوا : يا رسول ما نقول ؟ قال : قولوا الله أعلى وأجل ، قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه ؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول ؟ قال : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم . وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه ، قال أبو سفيان : يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . قال الزجاج : الدولة تكون للمسلمين على الكفار ، لقوله تعالى ( وإن جندنا لهم الغالبون ) . وكانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { وليعلم الله الذين آمنوا } . يعني إنما كانت هذه المداولة ليعلم ، أي ليرى الله الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق .

قوله تعالى : { ويتخذ منكم شهداء } . يكرم أقواماً بالشهادة .

قوله تعالى : { والله لا يحب الظالمين } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " القرح الجرح . والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ، مثل عَقْر{[3524]} وعُقْر . الفراء : هو بالفتح الجُرح ، وبالضم ألَمُه . والمعنى : إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله . وقرأ محمد بن السميقع " قَرَح " بفتح القاف والراء على المصدر . " وتلك الأيام نداولها بين الناس " قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم ، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون . وقيل : " نداولها بين الناس " من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر . والدُّولَة الكرة ، قال الشاعر :

فيوم لنا ويوم علينا *** ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر

قوله تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا " معناه ، وإنما كانت هذه المداولة ليُرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ، كما قال : " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين . وليعلم الذين نافقوا " {[3525]} [ آل عمران : 166 - 167 ] . وقيل : ليعلم صبر المؤمنين ، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم . وقد تقدم في " البقرة " {[3526]} هذا المعنى .

قوله تعالى :{ ويتخذ منكم شهداء } فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليُقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت{[3527]} دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " {[3528]} [ التوبة : 111 ] الآية . وقوله : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " إلى قوله : " ذلك الفوز العظيم " {[3529]} [ الصف : 10 - 11 - 12 ] وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة ) . وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : ( كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ) . وفي البخاري : " من قتل من المسلمين يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر{[3530]} بن أنس ومصعب بن عمير ، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار . قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب . وقال أنس : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .

الثانية : في قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة ؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه ؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : " ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم " {[3531]} [ التوبة : 46 ] . وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا .

الثالثة : روي عن{[3532]} علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له : ( خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن . فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل . " والله لا يحب الظالمين " أي المشركين ، أي وإن أنال{[3533]} الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم ، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .


[3524]:- في الأصول: "قفر وقفر" وهو تحريف.
[3525]:- راجع ص 265 من هذا الجزء.
[3526]:- راجع جـ2 ص 156.
[3527]:- في ب، د، هـ: أحضرت.
[3528]:- راجع جـ8 ص 266.
[3529]:- راجع جـ18 ص 86.
[3530]:- الذي في شرح القسطلاني على صحيح البخاري: "وأنس بن النضر، وهو عم أنس بن مالك كما ذكره أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما، ولأبي ذر "النضر بن أنس" وهو خطأ، والصواب الأول".
[3531]:- راجع جـ8 ص 156.
[3532]:- في ب و د و هـ: روى علي.
[3533]:- في هـ و د: أدال.