{ ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل ، أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد . وعن علي كرم الله وجهه : أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم . { تجري من تحتهم الأنهار } زيادة في لذتهم وسرورهم . { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } لما جزاؤه هذا . { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } لولا هداية الله وتوفيقه ، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله . وقرأ ابن عامر " ما كنا " بغير واو على إنها مبينة للأولى . { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } فاهتدينا بإرشادهم . يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما علموه يقينا في الدنيا صار لم عين اليقين في الآخرة . { ونودوا أن تلكم الجنة } إذا رأوها من بعيد ، أو بعد دخولها والمنادى له بالذات . { أورثتموها بما كنتم تعملون } أي أعطيتموها بسبب أعمالكم ، وهو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ، أو خبر والجنة صفة تلكم وان في المواقع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لان المناداة والتأذين من القول .
{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } أي قلعنا ما في قلوبهم من حقد مخفي فيها وعداوة كانت بمقتضى الطبيعة لأمور جرت بينهم في الدنيا . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال : «إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة ( فبلغوها ) وجدوا عند بابها شجرة ، في أصل ساقها عينان ( فيشربون ) من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور ( ويغتسلون ) من الأخرى ( فتجري ) عليهم نضرة النعيم ( فلن ) يشعثوا ( ولن ) ( 5 ) ( يشحبوا ) بعدها أبداً » . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعض على بعض غل " . وقيل : المراد طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب بحيث لا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة الرفيعة . وهذا في مقابلة ما ذكره سبحانه من لعن أهل النار بعضهم بعضاً . وأياً ما كان فالمراد ننزع لأنه في الآخرة إلا أن صيغة الماضي للإيذان بتحققه . وقيل : إن هذا النزع إنما كان في الدنيا ، والمراد عدم اتصافهم بذلك من أول الأمر إلا أنه عبر عن عدم الاتصاف به مع وجود ما يقتضيه حسب البشرية أحياناً بالنزع مجازاً ، ولعل هذا بالنظر إلى كمل المؤمنين كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم رحماء بينهم يحب بعضهم بعضاً كمحبته لنفسه أو المراد إزالته بتوفيق الله تعالى قبل الموت بعد أن كان بمقتضى الطباع البشرية . ويحتمل أن يخرج على الوجهين ما أخرجه غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هذه الآية : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، ويقال على الثاني فيما وقع مما ينبىء بظاهره عن الغل . إنه لم يكن إلا عن اجتهاد إعلاءاً لكلمة الله تعالى . ولا يخفى بعد هذا المعنى وإن ساعده ظاهر الصيغة . و { مّنْ غِلّ } على سائر الاحتمالات حال من ( ما ) .
وقوله سبحانه : { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار } حال أيضاً إما من الضمير في { صُدُورُهُمْ } لأن المضاف جزء من المضاف إليه والعامل معنى الإضافة أو العامل في المضاف ، وإما من ضمير { *نزعنا } على ما قيل والعامل الفعل . واختار بعضهم أن الجملة مستأنفة للإخبار عن صفة أحوالهم . والمراد تجري من تحت غرفها مياه الأنهار زيادة في لذتهم وسرورهم .
{ الانهار وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } الفوز العظيم والنعيم المقيم . والمراد الهداية لما أدى إليه من الأعمال القلبية والقالبية مجازاً وذلك بالتوفيق لها وصرف الموانع عن الاتصاف بها .
/ وقيل : المراد من الهداية لما هم فيه من النعيم مجاوزة الصراط إلى أن وصلوا إليه . ومن الناس من جعل الإشارة إلى نزع الغل من الصدور ولا أراه شيئاً { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } أي لهذا أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها { لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } وفقنا له ، واللام لتأكيد النفي وهي المسماة بلام الجحود وجواب ( لولا ) محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وليس إياه لامتناع تقدم الجواب على الصحيح ومفعول { *نهتدي } . { *وهدانا } الثاني محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير إليه ، والجملة حالية أو استئنافية ، وفي مصاحف أهل الشام { نَعْقِلُ مَا كُنَّا } بدون واو وهي قراءة ابن عامر فالجملة كالتفسير للأولى ، وهذا القول من أهل الجنة لإظهار السرور بما نالوا والتلذذ بالتكلم به لا للتقرب والتعبد فإن الدار ليست لذلك ؛ وهذا كما ترى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو هذا ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة .
وقوله سبحانه : { لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } جملة قسمية لم يقصد بها التقرب أيضاً وهي بيان لصدق وعد الرسل عليهم السلام إياهم بالجنة على ما نص عليه بعض الفضلاء ، وقيل : تعليل لهدايتهم . والباء إما للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالاً من الرسل ، ولا يخفى ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله تعالى له ذلك ، ودونك فاعرض قول المعتزلة في الدنيا المهتدي من اهتدى بنفسه على قول الله تعالى حكاية عن قول الموحدين في مقعد صدق { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } واختر لنفسك أي الفريقين تقتدي به ولا أراك أيها العاقل تعدل بما نوه الله تعالى به قول ضال يتذبذب مع هواه وتعصبه . ولما رأى الزمخشري هذه الآية كافحة في وجوه قومه فسر الهدى باللطف الذي بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه ، وهو لعمري كلام من حرم اللطف نسأل الله تعالى العفو والعافية .
{ وَنُودُواْ } أي نادتهم الملائكة ، وجوز بعضهم احتمال أن المنادي هو الله ، والآثار تؤيد الأول . { أَن تِلْكُمُ الجنة } أي أي تلكم على أن { ءانٍ } مفسرة لما في النداء من معنى القول ، ويجوز أن تكون مخففة من أن وحرف الجر مقدر واسمها ضمير شأن محذوف أي بأنها أو بأنه تلكم ، وأوجب البعض الثاني بناءً على أنه يجب أن يؤنث ضمير الشأن إذا كان المسند إليه في الجملة المفسرة مؤنثاً ، والصحيح عدم الوجوب على ما صرح به ابن الحاجب وابن مالك ، ومعنى البعد في اسم الإشارة إما لرفع منزلتها وبعد مرتبتها ، وإما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد ، وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في الدنيا وإليه يشير كلام الزجاج .
والظاهر أن { تِلْكُمُ الجنة } مبتدأ وخبر وقوله سبحانه : { أُورِثْتُمُوهَا } حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ويجوز أن تكون الجنة نعتاً لتلكم أو بدلاً و { أُورِثْتُمُوهَا } الخبر ، ولا يجوز أن يكون حالاً من المبتدأ ولا من كم كما قاله أبو البقاء وهو ظاهر ، والتزم بعضهم في توجيه البعد أن { تِلْكُمُ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه تلكم الجنة الموعودة لكم قبل أو مبتدأ حذف خبره أي تلك الجنة التي أخبرتم عنها أو وعدتم بها في الدنيا هي هذه ولا حاجة إليه . والمنادى له أولاً وبالذات كونها موروثة لهم وما قبله توطئة له ، والميراث مجاز عن الإعطاء أي أعطيتموها .
{ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الأعمال الصالحة ، والباء للسببية وتجوز بذلك عن الإعطاء إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجباً وإن كان سبباً بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب وإن كان النسب مثلاً سبباً له ، والباء في قوله صلى الله عليه وسلم على ما في بعض الكتب : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام على ما في «الصحيحين » من حديث أبي هريرة وجابر " لن ينجو أحد منكم بعمله " للسبب التام فلا تعارض ، وجوز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض أي بمقابلة أعمالكم ، وقيل : تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار لو كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثاً للمؤمنين ، فقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال : «ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل ( مبين ) فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل ( لهم ) هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون ( فيقتسم ) أهل الجنة منازلهم » ، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا يدفع الحاجة إلى المجاز .
وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية ، ولا يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى لأن اقتضاء الأعمال لذاتها دخول الجنة أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل ، وقصارى ما يعقل أن الله تعالى تفضل فرتب عليها دخول الجنة فلولا فضله لم يكن ذلك ، وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب ككثير من الأبواب فإن مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء ولا يتضرر بشيء لا تفضل له عليهم في ذلك بل هو بمثابة دين أدى إلى صاحبه سبحانك هذا بهتان عظيم وتكذيب لغير ما خبر صحيح .
ثم بين - سبحانه - ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسى ونقاء قلبى فقال - تعالى - : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } أى : قلعنا ما في قلوبهم من تحاقد وعداوات في الدنيا ، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة ، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم في غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم .
{ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله } . أى : قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه : الحمد لله الذي هدانا في الدنيا إلى الإيمان والعمل الصالح ، وأعطانا في الآخرة هذا النعيم الجزيل ، وما كنا لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه . وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير : ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا .
وقوله : { لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق } جملة قسمية ، أى : والله لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق ، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه في الآخرة .
{ ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى : ونودوا من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم : تلكم هى الجنة التي كانت الرسل تعدكم بها في الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح .
فالآية الكريمة صريحة في أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة .
فإن قيل : إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لن يدخل أحداً عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته " .
فالجواب على ذلك أنه لا تنافى في الحقيقة ، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة ، بل الدخول بمحض فضل الله ، والعمل سبب عادى ظاهرى . وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة ، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جداً فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصوراً شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد .
فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة ، بل لتفضله على المشترى ورحمته به ، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى ، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله - تعالى - : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } نعمت الصفقة ، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة .
على أنه - سبحانه - هو المتفضل في الحقيقة بالثمن والمثمن جميعاً . لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه .
ويمكن أن يجاب - أيضاً - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا ، فقوله : { ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى : مع فضل الله - تعالى - ، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا . وقوله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل أحدا عمله الجنة . . . " أى مجردا من فضل الله ، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا .
هذا أصح الآراء في الجمع بين الآية والحديث ، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها .