{ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر ، { ويقولون هؤلاء } الأوثان . { شفعاؤنا عند الله } تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث ، وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده . { قل أتنبّئون الله } أتخبرونه . { بما لا يعلم } وهو أن له شريكا أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم . { في السماوات ولا في الأرض } حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي ، ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به . { سبحانه وتعالى عما يشركون } عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به . وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أول " النحل " و " الروم " بالتاء .
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } حكاية لجناية أخرى لهم وهي عطف على قوله سبحانه : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ } [ يونس : 15 ] الآية عطف قصة على قصة ، و { مِن دُونِ } في موضع الحال من فاعل { يَعْبُدُونَ } أي متجاوزين الله تعالى إما بمعنى ترك عبادته سبحانه بالكلية لأنها لا تصح ولا تقع عبادة مع الشركة أو بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قريباً لعبادة غيره سبحانه كما اختاره البعض ، و { مَا } إما موصولة أو موصوفة ، والمراد بها الأصنام ، ومعنى كونها لا تضر ولا تنفع أنها لا تقدر على ذلك لأنها جمادات ، والمقصود من هذا الوصف نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود القدرة على ما ذكر ، وقيل : المعنى لا تضرهم إن تركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها والمقصود أيضاً نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود أن يثبت عابده ويعاقب من لم يعبده ، والفرق بين التفسيرين على ما قاله القطب اطلاق النفع والضر في الأول والتقييد بالعبادة وتركها في الثاني ، وقيل : المقصود على الأول من الموصول الأصنام بعينها وعلى الثاني فاقد أوصاف المعبودية ، ويجوز أن يدخل فيه غير الأصنام من الملائكة والمسيح عليهم السلام ، والظاهر أن المراد هنا الأصنام لأن العرب إنما كانوا يعبدونها وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة العزى ومناة وهبل وأسافا ونائلة { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كان النضر بن الحرث يقول : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى وفيه نزلت الآية .
والظاهر أن سائر المشركين كانوا يقولون هذا القول ، ولعل ذلك منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا ، فلا يقال : إن المتبادر من الشفاعة عند الله تعالى أنه في الآخرة وهو مستلزم للبعث وهم ينكرونه كما يدل عليه قوله تعالى : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] وكذا ما تقدم آنفاً من قوله سبحانه : { الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ يونس : 15 ] فيلزم المنافاة بين مفاهيم الآيات ، وكأنه لذلك قال الحسن عليه الرحمة : إنهم أرادوا من هذه الشفاعة الشفاعة في الدنيا لإصلاح المعاش ، وحينئذٍ لا منافاة والجمهور على الأول ، ومن سبر حال القوم رآهم مترددين ولذلك اختلفت كلماتهم ، ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار السببية وذلك لأنهم كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر عندهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم ، وقيل : إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلام فعينوا لذلك الروح صنماً من الأصنام واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكب وقيل : غير ذلك ، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات { قُلْ } تبكيتاً لهم { أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ } أي أتخبرونه سبحانه بما لا وجود له ولا تحقق أصلاً وهو كون الأصنام شفعاءهم عنده جل شأنه فإن ما لا يعلمه علام الغيوب المحيط علمه بالكليات والجزئيات لا يكون له تحقق بالكلية ، وذكروا أن مثل ذلك لا يسمى شيئاً بناءً على أنه كما قال سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو يشمل الموجود والمعدوم كما حققه بعض أصحابنا كالمعتزلة وسموا ما لا يعلم بالمنفي كالشريك وكاجتماع الضدين ، وحقق ذلك الشيخ إبراهيم الكورابي في رسالة مستقلة أتى فيها بالعجب العجاب ، ويجوز أن يراد بالموصول أن له سبحانهش ريكاً والمقصود على الوجهين من ذكر إنباء الله تعالى بما لا تحقق له ولم يتعلق به علمه التهكم والهزء بهم وإلا فلا إنباء ، وقوله سبحانه : { فِي السموات * وَلاَ فِى الارض } في موضع الحال من العائد المحذوف أي بما لا يعلمه كائناً في ذلك ، والمقصود منه تأكيد النفي المدلول عليه بما قبله فإنه قد جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء ليس هذا في السماء ولا في الأرض لاعتقاد العامة أن كل ما يوجد إما في السماء وإما في الأرض كما هو رأى المتكلمين في كل ما سوى الله تعالى إذ هو سبحانه المعبود المنزه عن الحلول في المكان ، والآيات التي ظاهرها ذلك من المتشابه والمذاهب فيه شهيرة ، وهذا إذا أريد بالسماء والأرض جهتا العلو والسفل ، وقيل : الكلام إلزامي لزعم المخاطبين الكافرين أن الأمر كذلك ، وقيل : إن معنى الآية أتخبرونه تعالى بشريك أو شفيع لا يعلم شيئاً في السموات ولا في الأرض كما في قوله تعالى :
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ * السموات والارض } [ النحل : 73 ] وليس بشيء { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن إشراكهم المستلزم لتلك المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شركاء ، وقرىء { أَتُنَبّئُونَ } بالتخفيف ، وقرأ حمزة . والكسائي { تُشْرِكُونَ } بتاء الخطاب على أنه من جملة القول المأمور به ، وعلى الأول هو اعتراض تذييلي من جهته سبحانه وتعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.