أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} (14)

{ له دعوة الحق } الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد ويدعى إلىعبادته دون غيره ، أو له الدعوة المجابة فإن من دعاه أجابه ، ويؤيده ما بعده و{ الحق } على الوجهين ما يناقض الباطل وإضافة ال { دعوة } إليه لما بينهما من الملابسة ، أو على تأويل دعوة المدعو الحق . وقيل { الحق } هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق ، والمراد بالجملتين إن كانت الآية في أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله إجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم أو دلالة على أنه على الحق ، وإن كانت عامة فالمراد وعيد الكفرة على مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعاء رسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، أو بيان ظلالهم وفساد رأيهم . { والذين يدعون } أي الأصنام الذين يدعوهم المشركون ، فحذف الراجع أو والمشركون الذين يدعون الأصنام فحذف المفعول لدلالة . { من دونه } عليه . { لا يستجيبون لهم بشيء } من الطلبات . { إلا كباسط كفّيه } إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه . { إلى الماء ليبلُغ فاه } يطلب منه أن يبلغه . { وما هو ببالغه } لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته والإتيان بغير ما جبل عليه وكذلك آلهتهم . وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه فبسط كفيه ليشربه . وقرئ " تدعون " بالتاء وباسط بالتنوين . { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } في ضياع وخسار وباطل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} (14)

قوله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } اختلفوا في المراد بدعوة الحق ؛ فقد قيل : الحق هو الله ، وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق . والله جل وعلا يسمع الدعاء من عباده المخلصين فيستجيب دعاءهم . وقيل : دعوة الحق يعني : شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل غير ذلك . والمراد : أن الدعاء إنما يكون لله من عباده في كل الأحوال والظروف والأزمان ؛ إذ يدعونه ويسألونه خاشعين مخلصين موقنين أنه وحده مجيب الدعوات ، ولا يدعون أحدا غيره من المخاليق كالأوثان أو الأوهام أو الملوك أو غير ذلك من الأنداد .

قوله : { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } أي الذين يعبدون آلهة من دون الله كالأوثان والأصنام والأوهام والملوك ، فيتوجهون إلى هذه الأنداد المفتراة بالدعاء { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } أي لا يستجيبون دعاءهم ولا يسمعون نداءهم . وإن كانوا من البشر ، استخفوهم وسخروا منهم واتخذوهم لهم عبيدا أقزاما أذلة ليسهموا في تمكينهم وتسليطهم على رقاب العباد .

قوله : { إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } ذلك تيئيس من دعاء الكافرين الذين يتوجهون بالدعاء إلى آلهتهم المفتراة ؛ فإن هؤلاء واهمون بدعائهم ، مسرفون في السفاهة والجهالة . وقد ضرب الله لذلك مثلا بالغ الدلالة يكشف عن فداحة الوهم الذي يسدر فيه المشركون الذين يعبدون غير الله من الأنداد ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء لهم وهم في ذلك كالظمآن الذي كفيه إلى الماء ليقبضه بهما . وأنى للكف المبسوط ، ذي الأصابع المنشورة أن يتناول الماء أو يتماسك فيه شيء من الماء ؟ !

وأشد من ذلك بعدا وإياسا أن يصل الماء إلى الفم الظامئ الحرور فضلا عن عدم تماسكه في الكف . إن ذلكم مثال مؤثر ومستبين يثير في الخيال صورة منظورة يتملاها الحسن تماما ، ويعي من خلالها الذهن تمام المقصود . وهو الإياس المطبق من استجابة الأنداء والشركاء دعاء المشركين الضالين الذين يعبدونهم من دون الله ويدعونهم في جهالة وغرور وعمه { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } يعني ما عبادة هؤلاء المشركين الظالمين أو دعاؤهم إلا في ضياع ؛ فهو ليس إلا ضربا من التصرف العابث الذي لا يجدي ولا ينفع{[2333]} .


[2333]:الكشاف جـ 2 ص 354 وفتح القدير جـ 3 ص 73.