الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ} (14)

وقوله : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } : من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، والأصل : له الدعوةُ الحقُّ كقوله : { وَلَدَارُ الآخِرَةِ } [ يوسف : 109 ] على أحدِ الوجهين . وقال الزمخشري : " فيه وجهان ، أحدُهما : أن تُضافَ الدعوةُ إلى الحق الذي هو نقيض الباطل ، كما تُضاف الكلمةُ إليه في قوله " كلمة الحق " . والثاني : أن تُضافَ إلى الحق الذي هو اللهُ على معنى دعوةِ المَدْعُوِّ الحق الذي يسمع فيجيب " . قال الشيخ : " وهذا الوجهُ الثاني لا يظهر ؛ لأنَّ مآلَه إلى تقدير : لله دعوةُ الله كما تقول : لزيدٍ دعوةُ زيد ، وهذا التركيبُ لا يَصِحُّ " . قلت : وأين هذا ممَّا قاله الزمخشريُّ حتى يَرُدَّ عليه به ؟

قوله : { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ } يجوز أن يُرَاد بالذين المشركون ، فالواوُ في " يَدْعُون " عائده ، ومفعولُه محذوفٌ وهو الأصنام ، والواوُ في { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } عائدٌ على مفعول " يَدْعون " المحذوفِ ، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتِهم إياه معاملتَهم . والتقدير : والمشركون الذين يَدْعُون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنامُ إلا استجابةً كاستجابةِ باسطِ كَفَّيْه ، أي : كاستجابة الماءِ مَنْ بَسَطَ كَفَّيْه إليه ، يطلب منه أن يَبْلُغَ فاه ، والماءُ جمادٌ لا يَشْعُر ببَسْط كَفَّيْه ولا بعطشِه ، ولا يَقْدِرُ أن يُجيبَه ويَبْلُغَ فاه ، قال معناه الزمخشري . ولمَّا ذكر أبو البقاء قريباً من ذلك وقدَّر التقديرَ المذكور قال : " والمصدرُ في هذا التقدير مضافٌ إلى المفعول كقوله : { لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ } [ فصلت : 49 ] ، وفاعلُ هذا المصدرِ مضمرٌ هو ضميرُ الماءِ ، أي : لا يُجيبونهم إلا كما يُجيب الماءُ باسطَ كفِّه إليه ، والإِجابةُ هنا كنايةٌ عن الانقياد " . /

ويجوز أن يُرادَ بالذين الأصنامُ ، أي : والآلهة الذين يَدْعونهم مِنْ دونِ الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابةً ، والتقديرُ كما تقدَّم في الوجهِ قبلَه . وإنما جَمَعَهم جَمْعَ العقلاء : إمَّا للاختلاطِ ؛ لأنَّ الآلهةَ عقلاءُ وجمادٌ ، وإمَّا لمعاملتِهم إياها معاملةَ العقلاءِ في زعمهم ، فالواوُ في " يَدْعُون " للمشركين ، والعائدُ المحذوفُ للأصنام ، وكذا واوُ " يستجيبون " .

وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمروٍ " تَدْعُونَ " بالخطاب وهو مُقَوِّيَةٌ للوجهِ الثاني : ولم يذكرِ الزمخشريُّ غيرَه .

قوله : " ليَبْلُغَ " اللامُ متعلقةٌ ب " باسِط " وفاعلُ " ليبلُغَ " ضميرُ الماءِ .

قوله : { وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } في " هو " ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدُها : أنه ضميرُ الماء . والهاء في " ببالغِه " للفم ، أي : وما الماء ببالغِ فيه . الثاني : أنه ضميرُ الفم ، والهاء فيي " ببالِغه " للماء ، أي : وما الفمُ ببالغِ الماءِ ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما لا يبلُغُ الآخرَ على هذه الحالِ ، فنسبةُ الفعلِ إلى كلِّ واحدٍ وعدمُها صحيحتان . الثالث : أن يكون ضميرَ الباسط ، والهاء في " ببالغه " للماء ، أي : وما باسطُ كَفَّيْهِ إلى الماء ببالغٍ الماءَ .

ولا يجوز أن يكون " هو " ضميرَ الباسط ، وفاعلُ " ببالغِه " مضمراً والهاء في " ببالِغه " للماء ، لأنه حينئذٍ يكونُ من باب جَرَيان الصفةِ على غير مَنْ هي ] له ، ومتى كان كذا لزِم إبرازُ الفاعلِ فكان التركيبُ هكذا : وما هو ببالغِه الماءُ ، فإن جَعَلْتَ الهاءَ في " ببالغِه " للماءِ جاز أن يكونَ " هو " ضميرَ الباسط كما تقدَّم تقريرُه .

والكافُ في " كباسطِ " : إمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوف ، وإمَّا حالٌ من ذلك المصدرِ كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرة .

وقال أبو البقاء : " والكاف في " كباسط " إنْ جعلتَها حرفاً كان فيها ضميرٌ يعود على الموصوفِ المحذوفِ ، وإنْ جعلْتَها اسماً لم يكن فيها ضميرٌ " . قلت : وكونُ الكافِ اسماً في الكلام لم يَقُلْ به الجمهورُ ، بل الأخفشُ ، ويعني بالموصوفِ ذلك المصدرَ الذي قدَّره فيما تقدَّم .