أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الجن مكية وآيها ثمان وعشرون آية .

بسم الله الرحمن الرحيم قل أوحي إلي وقرىء أحي وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله أنه استمع نفر من الجن والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة و الجن أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله فقالوا لما رجعوا إلى قومهم إنا سمعنا قرآنا كتابا عجبا بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه وهو مصدر وصف به للمبالغة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

" بسم الله " اسم عزيز به أقر من أقر بربوبيته ، وبه أصر على معرفته ، وبه استقر من استقر من خليقته ، وبه ظهر ما ظهر من مقدوراته ، وبه بطن ما بطن من مخلوقاته ، فمن جحد فبخذلانه وحرمانه ، ومن وحد فبإحسانه وامتنانه .

قوله جل ذكره : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا } .

قيل : إن الجنَّ كانوا يأتون السماءَ فيستمعون إلى قولِ الملائكة ، فيحفظونه ، ثم يلقونه إلى الكهنة ، فيزيدون فيه وينقصون . . . وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه السلام . فلمَّا بُعِثَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ورُجِمُوا بالشُّهُبِ عَلِمَ إبليس أنه وقع شيءٌ ففرَّ جنوده ، فأتى تسعةٌ منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته صلى الله عليه وسلم فآمنوا ، ثم آتوا قومهم وقالوا : إنَّا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به . . . إلى آخر الآيات .

( وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ . . } [ الأحقاف : 29 ] .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وآياتها ثمان وعشرون

بسم الله الرحمان الرحيم

عالم الجن من العوالم الكونية كعالم الملائكة ؛ وقد أخبر الله تعالى أنه خلقه من مارج من نار . أي أن عنصر النار فيه هو الغالب ، وأنه يرى الأناسي وهم لا يرونه ، أي بصورته الجبلية ؛ وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ؛ كما رأى جبريل حين تشكل بشكل آدمي . وأخبر تعالى بأنه قادر على الأعمال الشاقة . وأنه سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء ، من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب . وأخبر بأن من الجن مؤمنين ، ومنهم شياطين متمردين ؛ ومن هؤلاء إبليس اللعين .

ولم يختلف أهل الملل في وجودهم ، بل اعترفوا به كالمسلمين ، وإن اختلفوا في حقيقتهم . ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس . فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة ، وأسرارها محجبة ؛ وكثير منها لا يرى بالحواس . ألا ترى الروح – وهي مما لا شك في وجودها في الإنسان والحيوان-لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ؛ وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها . وكم في العوالم من أسرار ، وفي الكون من حجب وأستار ، تشهد بأن وراء علم الإنسان علوما أحاط بها خالق الكون ومبدعه ؛ ومنه ما استأثر بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه .

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجن ؛ كما بعث إلى الإنس . فدعاهم إلى التوحيد ، وأنذرهم وبلغهم القرآن . وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس ، فمؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم . وكل ذلك جاء صريحا في القرآن السنة .

{ قل أوحي إلى . . . } أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن جماعة من الجن – وكانوا من جن نصيبين – استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر في بطن نخلة [ وهي في طريق الطائف على مسيرة ليلة من مكة ]

فعادوا إلى قومهم فأخبروهم بما سمعوا ، وآمنوا بالله ، وكذبوا ما دعا إليه سفيههم من الكفر والضلال [ آية 29 الأحقاف ص 323 ] . { قرآنا عجبا } بديعا مباينا لما سبقه من الكتب في خصائصه وعلومه ، داعيا إلى الرشد والهدى ، في نظم محكم ، وأسلوب حكيم .