أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ} (79)

{ ففهمناها سليمان } الضمير للحكومة أو للفتوى وقرئ " فأفهمناها " . روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة : غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان . ولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا وهكذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء حائطا وأفسدته فقال على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظهما بالليل " . وعند أبي حنيفة لا ضمان إلا أن يكون معها حافظ لقوله صلى الله عليه وسلم " جرح العجماء جبار " . { وكلا آتينا حكما وعلما } دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه . وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى : { ففهمناها } ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإظهار ما تفضل عليه في صغره { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له ، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام . وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير و { مع } متعلقة ب { سخرنا } أو { يسبحن } { والطير } عطف على { الجبال } أو مفعول معه . وقرئ بالرفع على الابتداء أو العطف على الضمير على ضعف . { وكنا فاعلين } لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجبا عندكم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ} (79)

ففي مسألة واحدة اثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية ؛ إذ مَنَّ عليه بقوله : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } ولم يَمُنْ عليه بشيءٍ من المُلْكِ الذي أعطاه بمثل ما منَّ عليه بذلك ، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافُهم في فروع الدِّين ، حيث قال : { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئه الآخر فله تعلُّقٌ بقوله : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } .

قوله جلّ ذكره : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } .

أمَرَ الجبالَ وسخَّرها لتساعدَ داودَ - عليه السلام - في التسبيح ، ففي الأثر ، كان داود - عليه السلام - يمرُّ وصُفَاحُ الجبالِ تجاوبه ، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه .