{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره . { حتى يبلغ أشده } حتى يصير بالغا ، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد كصر وأصر وقيل مفرد كأنك . { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالعدل والتسوية . { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعصر عليها ، وذكره عقيب الأمر معناه أن إيفاء الحق عسر عليكم فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم . { وإذا قلتم } في حكومة ونحوها . { فاعدلوا } فيه . { ولو كان ذا قربى } ولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم . { وبعهد الله أوفوا } يعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع . { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } تتعظون به ، وقرأ حمزة وحفص والكسائي { تذكرون } بتخفيف الذال حيث وقع إذا كان بالتاء والباقون بتشديدها .
{ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ } بأكل ، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم ، أو أخذ من غير سبب . { إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي : إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم ، وينتفعون بها . فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها ، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى ، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة ، { حَتَّى يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّه } أي : حتى يبلغ ويرشد ، ويعرف التصرف ، فإذا بلغ أشده ، أُعطي حينئذ مالُه ، وتصرف فيه على نظره .
وفي هذا دلالة على أن اليتيم -قبل بلوغ الأشُد- محجور عليه ، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشُد .
{ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } أي : بالعدل والوفاء التام ، فإذا اجتهدتم في ذلك ، ف { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } أي : بقدر ما تسعه ، ولا تضيق عنه . فمَن حرَص على الإيفاء في الكيل والوزن ، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه ، ولم يعلمه ، فإن الله عفو غفور{[306]} .
وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون ، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق ، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر ، وفعل ما يمكنه من ذلك ، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك .
{ وَإِذَا قُلْتُمْ } قولا تحكمون به بين الناس ، وتفصلون بينهم الخطاب ، وتتكلمون به على المقالات والأحوال { فَاعْدِلُوا } في قولكم ، بمراعاة الصدق فيمن تحبون ومن تكرهون ، والإنصاف ، وعدم كتمان ما يلزم بيانه ، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم .
بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع ، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه ، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل ، ويعتبر قربها من الحق وبُعدها منه .
وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين ، في لحظه ولفظه . { وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا } وهذا يشمل العهد الذي عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها ، ومن العهد الذي يقع التعاقد به بين الخلق . فالجميع يجب الوفاء به ، ويحرم نقضه والإخلال به .
{ ذَلِكُمْ } الأحكام المذكورة { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما بينه لكم من الأحكام ، وتقومون بوصية الله لكم حق القيام ، وتعرفون ما فيها ، من الحكم والأحكام .
قوله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ، يعني : بما فيه صلاحه وتثميره . وقال مجاهد : هو التجارة فيه . وقال الضحاك : هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئاً .
قوله تعالى : { حتى يبلغ أشده } ، قال الشعبي ومالك : الأشد : الحلم ، حتى يكتب له الحسنات ، وتكتب عليه السيئات . قال أبو العالية : حتى يعقل وتجتمع قوته ، وقال الكلبي : الأشد ما بين الثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة . وقيل : إلى أربعين سنة . وقيل : إلى ستين سنة . وقال الضحاك : عشرون سنة . وقال السدي : ثلاثون سنة . وقال مجاهد : الأشد ثلاث وثلاثون سنة . والأشد جمع شد ، مثل قد وأقد ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه ، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه . وقيل : بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ . وتقدير الآية : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } على الأبد حتى يبلغ أشده ، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيداً .
قوله تعالى : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } ، بالعدل .
قوله تعالى : { لا نكلف نفساً إلا وسعها } ، أي : طاقتها في إيفاء الكيل والميزان ، لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه ، حتى لا تضيق نفسه عنه ، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه . قوله تعالى : { وإذا قلتم فاعدلوا } ، فاصدقوا في الحكم والشهادة .
قوله تعالى : { ولو كان ذا قربى } ، ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة .
قوله تعالى : { وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } ، تتعظون ، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون خفيفة الذال ، كل القرآن ، والآخرون بتشديدها . قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات في جميع الكتب ، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم ، وهن أم الكتاب ، من عمل بهن دخل الجنة ، ومن تركهن دخل النار .
قوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } أي لا تقربوا ماله إلا لإصلاحه وتثميره وما فيه تحقيق لمصلحته . وقيل : النهي عن قربان مال اليتيم { إلا بالتي هي أحسن } يعني الاتجار فيه لتنميته وتكثيره . والخطاب هنا للأولياء والأوصياء ، لأنه قال بعده : { حتى يبلغ أشده } أي احفظوه له فإذا بلغ سلموه إليه . والأشد واحد لا جمع له . وقيل : شد بضم الشين . وقيل جمع شد بفتح الشين . وكيفما كان ذلك فإن الأشد من القوة {[1316]} والمراد بذلك بلوغ الحلم . وقيل : أن يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة . وقيل : أن يبلغ خمسا وعشرين سنة . وهو قول الإمام أبي حنفية . وجملة المقصود أن يبلغ اليتيم سن الوعي والفهم وتمام الإدراك والخبرة .
قوله : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } أي أتموا الكيل وهو المكيل ، { والميزان } أي موزون الميزان { بالقسط } في محل نصب حال ، أي بالعدل . والمعنى : لا تبخسوا الناس الكيل إذا كلتموهم ، والوزن إذا وزنتموهم بل أوفوهم حقوقهم بإعطائها لهم كاملة غير منقوصة . وذلك بالقسط ، أي بالعدل .
قوله : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن . بما يسعها ولا يعسر عليها . وقد جيء بهذه الجملة عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل . والمراد أن هذا الأمر يراعى فيه اقتدار البشر وطاقته من التحفظ والتحرز لتمام الإيفاء . فما لا يمكن الاحتراز عنه كما بين الكيلين من تفاوت فهو معفو عنه ولا يؤاخذ به المرء . وقيل : المراد أن من اجتهد في أداء الحق أو أخذه فأخطأ بعد ما استفرغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه ولا إثم .
قوله : { وإذا قلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى } يتضمن ذلك وجوب العدل في الأحكام والشاهادات بعيدا عن الجور والاعتساف والزور . فقد أوجب الله أن تجري الأحكام بين الناس بالعدل في غير ميل ولا جنوح . وكذلك في الشهادات لتؤدى في صدق واستقامة لا تعرف اللين أو الكذب أو المحاباة على حساب أهل الحقوق .
ومن واجب المسلم كيفما كان شأنه أو قدره إذا ما حكم أن يقضي بالحق ، وإذا ما شهد أن يقول الحق مهما تكن الظروف . ومثل هذا الواجب منوط بكل مسلم أن يلتزمه ليقول الحق إذا علمه . وأن يقضي بالحق إذا كان من القضاة أو الولاة . ولا يميل حاكم أو قاض أو شاهد لقريبه أو صديقه . وإذا مال لا جرم أنه من المفرطين الآثمين أو المائلين الخاطئين .
قوله : { وبعهد الله أوفوا } العهد معناه : اليمين والموثق والأمان والذمة والوصية{[1317]} . والمعنى : أوفوا بكل ما عهده الله إليكم وذلك أن تطيعوه فيما أمركم به وأن تنزجروا عما نهاكم عنه وأن تعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وذلك هو الوفاء بعهد الله . وقيل : المراد ما انعقد بين الناس من العهود والعقود والمواثيق . فهم مأمورون بالوفاء بها دون نقض أو غدر أو تفريط . وقيل : ما عهدتم الله عليه من أيمانكم ونذوركم ونحو ذلك .
قوله : { ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون } الإشارة عائدة إلى ما فصله الله لعباده من الأحكام والتكاليف . فقد { وصكم به } أي أمركم بمراعاته وامتثال أمر الله فيه لعلكم تتعظون وتنتهون عما زجركم وحذركم منه الله .