أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

{ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم } منصوب بالذكر ، أو ظرف لقالوا فيكون تنبيها على أن ادعاءهم الإخلاص مع قولهم . { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة . وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما تقتضيه القدرة . وقيل المعنى هل يطيع ربك أي هل يجيبك ، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب . وقرأ الكسائي " تستطيع ربك " أي سؤال ربك ، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف . والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام ، من مادة الماء يميد إذا تحرك ، أو من مادة إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليه ونظيرها قولهم شجرة مطعمة . { قال اتقوا الله } من أمثال هذا السؤال . { إن كنتم مؤمنين } بكمال قدرته وصحة نبوته ، أو صدقتم في ادعائكم الإيمان .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

{ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ } أي : مائدة فيها طعام ، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله ، واستطاعته على ذلك . وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم .

ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق ، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك ، وعظهم عيسى عليه السلام فقال : { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى ، وأن ينقاد لأمر الله ، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال : { إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء } .

" المائدة " الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد ، إذا تحرك . فكأن المائدة تتحرك بما عليها . وقال أبو عبيدة : سميت " مائدة " لأنها ميد بها صاحبها . أي : أعطيها وتفضل عليه بها . والخوان : ما يؤكل عليه الطعام .

ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هي لطعام نفسه ، مأخوذة من " مادة " إذا أفضل .

و " إذ " في قوله { إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره : أذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم .

وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء } فيه قراءتان سبعيتان :

الأولى : { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل . وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول .

والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز ، لأن الحواريين كانوا مؤمنين ، ولا يعقل من مؤمن أن يشك في قدرة الله .

ومن تخرجاتهم في معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى " يطيع " والسين زائدة . كاستجاب وأجاب .

أي : أن معنى الجملة الكريمة : هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء .

وسنفصل القول في تخريج هذه القراءة ، وفي اختلاف المفسرين في إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة .

أما القراءة الثانية : فهي " هل تستطيع ربك " بالتاء وبفتح الباء في " ربك " والمعنى : هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء .

فقوله " ربك " منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها ، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى . أي : أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع ؟

قال القرطبي : قراءة الكسائي وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " هل تستطيع " بالتاء " ربك " بالنصب وقرأ الباقون بالياء " هل تستطيع " " ربك " بالرفع .

والمعنى على قراءة الكسائي - بالتاء : هل تستطيع أن تسأل ربك . .

قالت عائشة : كان القوم أعلم بالله - تعالى - من أن يقولوا " هل يستطيع ربك " وقال معاذ : أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم : هل تستطيع ربك قال معاذ : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء " .

وقوله - سبحانه - { قَالَ اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة .

أي قال لهم عيسى : اتقوا الله وقفوا عند حدوده ، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه ، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان ، فإن المؤمن الصادق في إيمانه يبتعد ، عن أمثال هذه المطالب التي قد تؤدي إلى فتنته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

قوله تعالى : { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( 112 ) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ( 113 ) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ( 114 ) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } .

يبين الله مقالة الحواريين لنبيهم عيسى عليه السلام { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } وفي سؤال الحواريين مثل هذا السؤال وبمثل هذه الصيغة ما يثير إشكالا يبعث التساؤل والاستغراب . إذ لا يليق بمؤمنين صادقين كالحواريين أن يسألوا عن استطاعة الله إنزال مائدة من السماء . فهم لا يشكون في قدرة الله ويعلمون علم اليقين أن الله يستطيع أن يفعل كل شيء وأن يصنع كل ما يريد . وللخروج من هذا الإشكال يمكن تأويل ذلك من وجهين : أولهما : أن الآية قرئت " هل تستطيع " بالتاء . وهي قراءة علي و ابن عباس وغيرهما فيكون المعنى هل تستطيع سؤال ربك .

ثانيهما : أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين ، ونظير ذلك ما قاله بعض الناس من قوم موسى : { اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة } والمائدة بمعنى الخوان بكسر الخاء وضمها . اسم معرب وهو الذي يؤكل عليه . وقيل : المائدة بوزن فاعلة . من ماد يميد إذا تحرك ، فهي تميد بما عليها . وقيل : سميت المائدة بذلك ، لأنها عطية . ماد فلان فلانا يميده ميدا إذا أعطاه وأحسن إليه . وعلى هذا فالمائدة بمعنى : معطية . وقيل : المائدة هي الطعام نفسه وإن لم يكن هناك خوان . ماد أهله إذا أعطاهم ومارهم{[1109]} .

لقد سأل الحواريون نبيهم عيسى أن يسأل ربه إنزال مائدة عليهم تحمل طعاما فيأكلون منه . وذلك لحاجتهم وفقرهم .

قوله : { قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } أي خافوا الله أن ينزل بكم نقمته وعذابه على قولكم هذا لما يحتمله من شك منكم في قدرة الله على إنزال المائدة { إن كنتم مؤمنين } أي بكمال قدرة الله وبصدق الله وبصدق نبوة نبيهم ومرشدهم عيسى عليه الصلاة والسلام . وقد جاءكم من البينات والدلائل المعجزة ما فيه كفاية وغنى .


[1109]:- لسان العرب ج 3 ص 411 والمصباح المنير ج 1 ص 198.