النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (112)

قوله تعالى : { إِذْ قَالَ الحوَارِيُّونَ يَا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ{[835]} رَبُّكَ } ، قرأ الكسائي وحده { هل تستطيع ربَّك } بالتاء والإِدغام{[836]} ، وربك بالنصب ، وفيها وجهان :

أحدهما : معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله ، قاله الزجاج .

والثاني : هل تستطيع أن تسأل ربك ، قاله مجاهد ، وعائشة .

وقرأ الباقون { هل يستطيع ربك } بالياء والإِظهار ، وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه :

أحدها : هل يقدر ربك ، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى .

والثاني : معناه هل يفعل ربك ، قاله الحسن ، لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم .

والثالث : معناه هل يستجيب لك ربك ويطيعك .

{ أَن يُنَزّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً منَ السَّمَآءِ } قاله السدي ، قال قطرب : والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام ، فإن لم يكن قيل : خِوان ، وفي تسميتها مائدة وجهان :

أحدهما : لأنها تميد ما عليها أي تعطي ، قال رؤبة :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** إلى أمير المؤمنين الممتاد{[837]} أي المستعطي .

والثاني : لحركتها بما عليها من قولهم : مَادَ الشيء إذا مال وتحرك ، قال الشاعر :

لعلك باك إن تغنت حمامة *** يميد غصن{[838]} من الأيك مائل

{ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ } فيه قولان :

أحدهما : يعني اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به ، وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم .

والثاني : يعني اتقوا الله في سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم ، إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم .


[835]:- الحواريون مؤمنون ولم يكن سؤالهم شكا في قدرة الله وإنما أرادوا علم اليقين كما قال إبراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي".
[836]:- أي إدغام لأم: "هل" بالتاء من "تستطيع".
[837]:- الشطر الأول: تهدي رؤوس المترفين الأنداد
[838]:-الشطر الأول: تهدي رؤوس المترفين الأنداد.