{ قال ما خطبكن } قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه { إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله } تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله . { ما علمنا عليه من سوء } من ذنب . { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق } ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركه ليناخ قال :
فحصحص في صُمّ الصفا ثفناته *** وناء بسلمى نوأة ثم صمّما
أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه . وقرئ على البناء للمفعول . { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في قوله : { هي راودتني عن نفسي } .
ما خطبكم : ما شأنكن ؟ والخطب : الأمر الذي يستحق أن يخاطب المرء فيه صاحبه ؛ ومن هنا سميت الشدائد بالخطوب .
قلن حاش لله : تنزيها لله ، وتعجبا من نزاهة يوسف .
حصحص الحق : وضح بعد خفاء ، وأصله : بمعنى : تبينت حصة الحق ، من حصة الباطل .
51 { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ . . . }
جمع الملك النسوة ، ودعا امرأة العزيز معهن ؛ فسألهن عن أمر يوسف ، وقال لهن : ما شأنكن الخطير ؛ حين دعوتن يوسف إلى مقارفة الفاحشة ؟ ! ، وفي هذا يوجه الاتهام إلى النسوة ، بعد أن استقصى عن الموضوع كما هي العادة .
" ومن هذا نعلم شيئا مما دار في حفل الاستقبال في بيت العزيز ، وما قالته النسوة ليوسف ، وما أشرن إليه من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة ، ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ . . . " ا ه .
{ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ } . أي : تنزيها لله ؛ يردن بذلك : تبرئة يوسف ، والاعتراف بنظافته وعفته .
{ ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } . أي : من ذنب ؛ أو من أمر سيء ينسب إليه فضلا عن الفحشاء .
{ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ } . منزهة لجانبه ، مقرّة على نفسها بالمراودة له .
{ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } . أي : بانت حصة الحق من حصة الباطل ، وظهر الحق بعد خفائه .
{ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } . ولم تقع منه المراودة لي أصلا .
{ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } . فيما قاله من تبرئة نفسه ونسبة المراودة إليها .
وذهب بعض المفسرين : إلى أن الكلام الآتي كلام يوسف ، وذهب آخرون إلى أنه كلام امرأة العزيز .
قوله تعالى : { قال } ، لهن ، { ما خطبكن } ، ما شأنكن وأمركن ، { إذ راودتن يوسف عن نفسه } ، خاطبهن والمراد امرأة العزيز ، وقيل : إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن . { قلن حاش لله } معاذ الله ، { ما علمنا عليه من سوء } ، خيانة . { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق } ظهر وتبين . وقيل : إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها فأقرت ، وقيل : خافت أن يشهدن عليها فأقرت . { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ، في قوله : هي راودتني عن نفسي .
هذا ، وقوله - سبحانه - { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه يوسف منه .
وفى الكلام حذف يفهم من السياق ، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه ، فأحضر النسوة وقال لهن : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه .
والخطب : مصدر خطب يخطب ، ويطلق - غالبا - على الأمر المهم الذي يجعل الناس يتحدثون فيه كثيراً ، وجمعه خطوب .
والمعنى : بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن : ما الأمر الهام الذي حملكن في الماضى على أن تراودن يوسف عن نفسه ؟ وهل وجدتن فيه ميلا إلى الاستجابة لكنَّ . . "
قال صاحب الظلال ما ملخصه : " والخطب الأمر الجلل .
. . فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال ، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه ، فهو يواجههن مقررا الاتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل . .
ون هذا نعلم شيئاً بما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير ، وما قالته النسوة ليوسف ، وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإِغراء الذي بلغ حد المراودة .
ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ ، فالجاهلية هي الجاهلية دائماً ، وِأنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدى ثياب الأرستقراطية " .
وأمام هذه المواجهة التي واجههن بها الملك ، لم يملكن الإِنكار ، بل قلن بلسان واحد : { حَاشَ للَّهِ } أى : معاذ الله .
{ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء } قط ، وإنما الذي علمناه منه هو الاستعصام عن كل سوء .
وهنا { قَالَتِ امرأت العزيز } ويبدو أنها كانت حاضرة ، معهم عند الملك .
{ الآن حَصْحَصَ الحق } أى : الآن ظهر الحق وانكشف انكشافا تاما بعد أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص ، كما قيل : كبكب في كب ، وهو مأخوذ من الحص بمعنى الاستئصال والإِزالة ، تقول : فلان حص شعره إذا استأصله وأزاله فظهر ما كان خافيا من تحته . . .
ثم أضافت إلى ذلك قولها { أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } أى : أنا التي طلبت منه ما طلبت { وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } في قوله { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } وهكذا يشاء الله - تعالى - أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد ، بتلك الطريقة التي يراها الملك ، وتنطق بها امرأة العزيز ، والنسوة اللائى قطعن أيديهن .
قال صاحب الكشاف : " ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة ، واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشئ مما قذفته به لأنهن خصومة ، وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال " - إذ الفضل ما شهدت به الأعداء - .
فأرسل الملك إلى النسوة وإلى المرأة العزيز ، وكان العزيز قد مات ، فدعاهن الملك ثم { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } { خطبكن } يعني شأنكن . و { راودتن } من المراودة وهي الطلب في تلطف ومخادعة ؛ أي ما خطبكن وما شأنكن { أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } يوم الضيافة ؟ ! { قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ } أي معاذ الله ما علمنا على يوسف من ذنب أو فاحشة .
قوله : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } { حصحص } أي بان وظهر{[2255]} . فبعد اعتراف النسوة ببراءة يوسف وطهره بادرت امرأة العزيز لتقر مثلهن فقالت : الآن ظهر الحق وانكشف { أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } وإنه لصادق فما قاله .