بسم الله الرحمن الرحيم قل أوحي إلي وقرىء أحي وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله أنه استمع نفر من الجن والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة و الجن أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله فقالوا لما رجعوا إلى قومهم إنا سمعنا قرآنا كتابا عجبا بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه وهو مصدر وصف به للمبالغة .
( سورة الجن مكية ، وآياتها 28 آية ، نزلت بعد سورة الأعراف )
وهي سورة تصحح كثيرا من المعلومات الخاطئة لأهل الجاهلية عن الجن ، حيث كانوا يزعمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتلقى ما يقوله لهم من الجن ، فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها ، وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئا .
والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد صلى الله عليه وسلم ، فهالهم وراعهم ومسّهم منه ما يدهش ويذهل ، فانطلقوا يحدثون عن هذا الحدث العظيم الذي شغل السماء والأرض ، والإنس والجن والملائكة والكواكب ، وترك آثاره ونتائجه في الكون كله ، وهي شاهدة لها قيمتها في النفس البشرية حتما .
كان العرب يبالغون في أهمية الجنّ ، ويعتقدون أن لهم سلطانا في الأرض ، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض ، فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . . ثم يبيت آمنا .
كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب ، وتخبر به الكهان فينبئون بما يتنبأون ، وفيهم من عبد الجن ، وجعل بينهم وبين الله نسبا ، وزعم أن له سبحانه وتعالى زوجة منهم تلد له الملائكة . وهكذا نجد كثيرا من الأوهام والأساطير تغمر قلوب الناس ومشاعرهم ، وتصوراتهم عن الجن في القديم ، ولا تزال هذه الأوهام تسود بعض البيئات إلى يومنا هذا .
ونجد في الصف الآخر منكرين لوجود الجن أصلا ، يصفون أي حديث عن هذا الخلق المغيب بأنه حديث خرافة .
وبين الإغراق في الوهم ، والإغراق في الإنكار ، يقرر الإسلام حقيقة الجن ، ويصحح التصورات العامة عنهم ، ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم .
تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من السور ، وقد عالج القرآن الأخطاء الشائعة عن الجن ، وأثبت الحقيقة فيما يتصل بهم ، وأعطى للإنسان صورة واضحة دقيقة متحررة من الوهم والخرافة ، ومن التعسف في الإنكار الجامح ، فالجن عالم نؤمن به وبخصائصه كما وردت في القرآن الكريم ، والجن لا يظهر للعين ولا يراه الإنسان بحاسة البصر .
قال تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم . . ( الأعراف : 27 ) .
والجن منهم الضالون المضلّون ، ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون ، ومنهم المستقيمون على الطريق القويم والمنهج السليم ، وليس للجن معرفة بالغيب ، وليس لهم قوة ولا حيلة مع قوة الله ، وليس بينهم وبين الله صهر ولا نسب ، وقد كان إبليس من الجن ثم فسق عن أمر ربه وتمحض للشر والفساد والإغواء ، وقد خلق الجن من النار ، كما خلق الإنسان من الطين .
وقد سخرت الجن لسليمان عليه السلام ، فمنهم من كان يبني له المساجد والمنازل والأبنية المختلفة ، ومنهم من كان يغوص في البحر يستخرج له اللؤلؤ والياقوت والأحجار الكريمة ، وسلطه الله على المردة والخارجين على القانون ، فكان يقيدهم في السلاسل والأغلال ، ويسخرهم في الأعمال ، ويرهقهم بألوان العذاب ، وقد جعل الله السيطرة على الجن منحة خاصة لسليمان عليه السلام ، فقد سأل ربه ملكا لا يتهيأ لأحد من بعده ، فأعطاه الله ملك الريح والجن والشياطين والمردة :
قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب* فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب* والشياطين كل بنّاء وغوّاص* وآخرين مقرّنين في الأصفاد* هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب* وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب . ( ص : 35-40 ) .
" إن الكون من حولنا حافل بالأسرار ، عامر بالرواح ، حاشد بالقوى ، وهذه السورة من القرآن- كغيرها- تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود ، تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود ، وما فيه من قوى وأرواح وحيوانات تعج من حولنا ، وتتفاعل مع حياتنا ، وهذا التصور هو الذي يميز المسلم ، ويقف به وسطا بين الوهم والخرافة ، وبين الادعاء والتطاول ، ومصدره هو القرآن والسّنة ، وإليهما يحاكم المسلم كل تصور آخر ، وكل قول ، وكل تفسير )i .
في كتب السّنة ما يفيد أن الجن قد استمعت للقرآن عرضا دون قصد ، فأسلمت وآمنت ، وانطلقت تدعو قومها إلى الإسلام .
وفي روايات أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق متعمدا ليبلغ دعوته إلى الجن ، وقد افتقده أصحابه ذات ليلة فاشتد بهم القلق ، وباتوا بشرّ ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحوا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم من قبل حراء ، فقال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ) . والروايتان السابقتان واردتان في الصحيح ، أحداهما عن ابن عباس تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف بحضور النّفر من الجن ، والرواية الثانية عن ابن مسعود تقول إنهم استدعوه ويوفق البيهقي بين الروايتين بأنهما حادثان لا حادث واحد .
وفي رواية ثالثة لابن إسحاق أن الجن استعمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة عودته من الطائف قبل الهجرة .
ولعل الجن قد استمعت للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ، وكان في استماع الجن للنبي بمكة قبل الهجرة تطييب لخاطره ، وتصديق لدعوته ، وتحقيق للحق بشأن الجن ، وتصحيح لمفاهيم الجاهلية عن الجن ، وإرشاد للمسلمين ليكون إيمانهم عن بيّنة ، وقد ساقت سورة الجن كثيرا من الحقائق عن الألوهية والعقيدة والوحدانية ، وإخلاص العبادة لله سبحانه ، فهي سورة الجن ولكنها توجيه وإرشاد وتعليم للخلق أجمعين .
نلاحظ أن السورة في القرآن تسمى بأغرب شيء فيها أو أهم شيء فيها ، فسورة البقرة اشتملت على قصة قتيل ضرب بقطعة من البقرة فدرت إليه الحياة ، وسورة آل عمران اشتملت على قصة مريم ابنة عمران ، وسورة النساء اشتملت على ذكر أحكام النساء ، وسورة المائدة اشتملت على قصة المائدة التي نزلت من السماء استجابة لدعاء عيسى عليه السلام .
كما سمى سبحانه سور كتابه بأسماء تبعث على النظر والاعتبار ، وتوجب التفكير ، فسمى بالأنعام ، وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت ، وبما هو ألطف من ذلك كالنور ، كما سمى ببعض الأنبياء كيوسف ويونس وهود ، وببعض الأخلاق كالتوبة ، وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم ، وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى ، وببعض المعادن كالحديد ، وببعض الأماكن كالبلد ، وببعض النبات كالتين ، وكل ذلك مما نراه .
وهنا سمى هذه السورة بعالم لا نراه وهو عالم الجن ، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلا من طريق الوحي ، وليس للعقل دليل عليه ، فالمؤمن يؤمن بالغيب ، ويؤمن بالملائكة وبالجن على نحو ما ورد في القرآن .
وسميت السورة سورة الجن لأنها تحدثت عنهم وبدأت بذكرهم ، فقالت : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . ( الجن : 1 ) .
2 ، 1- تطالعنا السورة بأن الجن فوجئت باستماع القرآن الكريم ، فقالوا لقومهم : إنا سمعنا كتابا بديعا يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ، فصدّقنا به ، ولن نعود ما كنا عليه من الإشراك بالله .
3- ثم نزّهوا ربهم عن الزوجة والولد ، فقالوا : علا ملك ربنا وسلطانه أن يكون ضعيفا ضعف خلقه ، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو ملامسة يكون منها الولد ، وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله ، جاءته من صهر مع الجن ، فجاءت الجن تكذب هذه الخرافة الأسطورية ، في تسبيح الله وتنزيه له .
4- وأن الجهّال من الجن يقولون قولا شططا عن الصواب ، بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى .
5- وأنهم كانوا يستعظمون أن يجرؤ أحد على الكذب على الله ، فلما قال لهم سفهاؤهم : إن الله صاحبة وولدا ، صدقوهم لأنهم لم يتصوروا أنهم يكذبون على الله .
6- وأن رجالا من الإنس يستعيذون في القفر برجال من الجن فزادوا الجن بذلك طغيانا وغيّا ، إنهم لما استعاذوا بالجن خوفا منهم ولم يستعيذوا بالله ، استذلوهم واجترؤوا عليهم .
7- ظنّت الطائفة الظالمة من الجن أن الله لن يبعث رسولا إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده والإيمان برسله واليوم الآخر . أو ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا بعد الموت ، وهذا الظن مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله . وهؤلاء النفر من الجن المؤمن يصححون لقومهم ظنّهم ، والقرآن في حكايته عنهم يصحح للمشركين أوهامهم .
8-9- كان الجن يحاولون الاتصال بالملأ الأعلى ، واستراق شيء مما يدور بين الملائكة ، عن شئون الخلائق في الأرض ، ثم يوحون ما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين ، الذين يستغلون الكثير من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل ، ويروجونه بين جماهير الناس .
وبعد رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حاولت الجن استراق السمع من السماء فلم يتمكنوا ، لأن الحراسة شدّدت على السماء ، ومن حاول استراق السمع ومعرفة الغيب رجم بالشهب فتقتله أو تخبله .
10- إن الجن لا تعلم شيئا عن الغيب المقدّر للبشر ، ولا يدرون الحكمة من حراسة السماء بالشهب ، ولا ماذا قدر الله لعباده في الأرض ، أعذابا أراد الله أن ينزله بهم ، أم أراد بهم ربهم الهدى ، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم .
11- من الجن الصالح والطالح ، ومنهم المسلم والجائر ، فهم مثلهم مثل الإنسان في طبيعته ، لديهم استعداد للخير والشر ، إلا من تمحض منهم للشر وهو إبليس وقبيله .
12- إن الله قادر علينا حيث كنا فلا نفوته هربا ، فهم يقدرون ضعف المخلوق أمام الخالق ، ويشعرون بسلطان الله القاهر الغالب .
13- لما سمعنا القرآن صدقنا به وأقررنا بأنه من عند الله ، ومن يصدق بالله وبما أنزله على رسله فلا يخاف نقصا من حسناته ، ولا هوانا ولا جوارا ، لأن المؤمن في حماية الله وعونه ورعايته ، وسينال جزاءه وافرا كاملا .
14- من الجن فريق مؤمن أطاع الله واستقام على الهدى ، وفريق قاسط جائر مائل عن الصواب ، وقد وصل الفريق المؤمن إلى الصواب ، حين اختار الإسلام وحرص على الرشد والاعتدال .
15- أما الجائرون عن سنن الإسلام فشأنهم أن يكونوا حطبا لجهنم ، تتلظى بهم وتزداد اشتعالا ، كما تتلظى النار بالحطب .
16- يلتفت القرآن في الخطاب ، وينتقل من الحديث على لسان الجن إلى مخاطبة الرسول والخلق أجمعين فيقول : لو استقام الإنس والجن على ملة الإسلام لوسعنا عليهم أرزاقهم ، ولبسطنا لهم خيرات الحياة .
17- وهذه النعم للاختبار والابتلاء ، فمن شكر النعمة وأحسن التصرف فيها استحق بقاءها ، ومن أعرض عن منهج الله دخل في العذاب الشاق الذي يعلوه ويغلبه ولا يطيق له حملا .
18- إن السجود أو مواضع السجود – وهي المساجد- لا تكون إلا لله ، فهناك يكون التوحيد الخالص ، ويتوارى كل ظل لكل أحد ، ولكل قيمة ، ولكل اعتبار ، وينفرد الجو للعبودية الخالصة لله .
19- لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يعبد الله ، كاد الجن يكونون جماعات بعضها فوق بعض تعجبا مما شاهدوا من عبادته ، وسمعوا من قراءته ، واقتداء أصحابه به قياما وركوعا وسجودا ، وأخذوا ودهشوا من جلال ما سمعوا ، وروعة ما شاهدوا ، وهو دليل على انشغال السماء والأرض والملائكة والجن بهذا الوحي ، وعلى الجدّ الذي يتضمنه : إنه لقول فصل* وما هو بالهزل . ( الطارق : 13 ، 14 ) .
20- قل يا محمد للناس : إنما أعبد الله وحده ، ولا أشرك بعبادته صنما ولا وثنا ولا مخلوقا .
21- قل : إني لا أملك نفعا ولا ضرا ، فالله وحده هو الذي يملك الضرّ ويملك الخير .
22 ، 23- إني لا أجد ملجأ أو حماية من دون الله ، إلا أن أبلغ هذا الأمر ، وأؤدي هذه الأمانة ، فهذا الأمر ليس أمري ، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ ، ولا مفر لي من هذا التبليغ ، والرسالة ليست تطوعا ، وإنما هي تكليف صارم جازم لا مفر من أدائه ، فالله من ورائه .
يقول الله تعالى : يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته . . . ( المائدة : 67 ) .
ومن يكذّب برسالات الله فإن له نارا يصلاها ، خالدا فيها إلى غير نهاية .
23- وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد ، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون القلائل معه ، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون ، أي الفريقين هو الضعيف المخذول ، القليل المهزول .
24- ويتجرد الرسول وينفض يده من أمر الغيب ، فالعذاب الذي يتوعد به الكافرين ليس له فيه يد ، ولا يعلم له موعدا ، ولا يدري أقريب هو أم بعيد يجعل الله له أمدا ممتدّا ، سواء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فكله غيب في علم الله .
25- والله سبحانه هو المختص بالغيب دون العالمين .
26- والرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته ، يطلعهم على جانب من غيبه ، هو هذا الوحي : موضوعه ، وطريقته ، والملائكة الذين يحملونه ، ومصدره ، وحفظه في اللوح المحفوظ . . . إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم ، مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .
وفي الوقت ذاته يحيط بهؤلاء الرسل الأرصاد والحراس من الحفظة ، للحفظ والوقاية ، يحمونهم من وسوسة النفس وتمنياتها ، ومن الضعف البشري في أمر الرسالة ، ومن النسيان أو الانحراف ومن سائر ما يعتري البشر من النقص والضعف .
والخلاصة : إنه ليدخل حفظة من الملائكة يحفظون قوى الرسول الظاهرة والباطنة من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم .
68- وهذه الحراسة الشديدة ليظهر الله للناس أجمعين أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم ، غير مشوبة بتخليط من الجن أو من الجنون ، وهو سبحانه محيط علما بجميع أحوال أولئك الوسائط ، وهو سبحانه أحصى كل شيء عددا ، فلا تقتصر إحاطته على ما لدى الرسل ، بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدّا ، وهو أدق أنواع الإحاطة والعلم . وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب تختم السورة التي بدئت بروعة الجن من سماع القرآن ، وختمت بإحاطة الله الشاملة لمن يؤدون رسالته ، وحمايته لمن يبلغون دعوته ، وقد وسع علمه السماوات والأرض وكل ما في الوجود .
1- حكاية أقوال صدرت عن الجن حين سمعوا القرآن ، كوصفهم له بأنه كتاب يهدي إلى الرشد ، وأن الرب سبحانه تنزه عن الصاحبة والولد ، وأنهم ما كانوا يظنون أن أحدا يكذب على الله ، وأن رجالا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن ، وأن الجن طلبوا خبر العالم العلوي فمنعوا ، وأن الجن لا يدرون ماذا يحل بالأرض من هذا المنع ، وأن الجن منهم الأبرار ومنهم الفجّار ، ومنهم مسلمون وجائرون عادلون عن الحق .
2- ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى الحق ، ككونه لا يشرك بربه أحدا ، وأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، وأنه لا يمنعه أحد من الله إن عصاه ، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يدري متى يكون وقت تعذيبهم فالعلم لله وحده ، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله ، ثم من اصطفى من الرسل .
{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا 1 يهدي إلى الرّشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا 2 وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتّخذ صاحبة ولا ولدا 3 وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا 4 وأنّا ظننّا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا 5 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا 6 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا 7 }
أوحي إليّ : الوحي شرعا : إعلام الله تعالى أنبياءه ما يريد إبلاغهم به من الشرائع والأخبار بطريق خفي .
النفر : ما بين الثلاثة والعشرة .
الجن : واحدهم جنّي ، كروم ورومي .
عجبا : بديعا مباينا لكلام الناس ، في حسن النظم ودقة المعنى .
1- قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا .
قل يا محمد لقوم : إن جبريل أخبرني بأن جماعة من الجن ، قد استمعت القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم في صلاة الفجر بعد عودته من الطائف ، فقال الجن لإخوانهم ولقومهم :
أي : باهرا عجيبا بديعا في حسن نظمه ، ودقة معانيه ، فهو عجيب باهر في أسلوبه ونظامه ورصف معانيه ، وهو عجيب باهر في رشاقة ألفاظه ، وتسلسل أفكاره ، وهو عجيب باهر فيما اشتمل عليه من أحكام وتشريع وآداب ، وأخبار عن الأمم الماضية ، ومشاهد للقيامة والحساب والجزاء ، والصراط والميزان ، والجنة والنار .