نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

ولما كان ما تقدم كله مشيراً إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به ، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة ، وكل ذلك فطماً عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار ، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة ، كان ذلك ربما أوجب أن يقال : لو أجيبوا إلى سؤالهم{[40282]} لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه ، فدعاهم ذلك إلى الرشاد ، فتسبب عنه أن يقال دفعاً له : { {[40283]}فلولا كان{[40284]} } ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال : ما الموجب لذلك ؟ فبين{[40285]} أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة{[40286]} والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار{[40287]} جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى : { فلولا } بصيغة تحتمل{[40288]} التخصيص ، وفيها معنى التفجع والتأسف{[40289]} {[40290]}لاعتبار كل من{[40291]} كان على مثل حالهم { من القرون } أي المهلكين الأشداء{[40292]} الكائنين في زمان ما .

ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها ، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي ، أتى بالجار فقال : { من قبلكم أولوا } أي أصحاب { بقية } أي{[40293]} حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم ، لأن مادة " بقي " تدور على الجمع ، ويلزمه{[40294]} القوة والثبات والحفظ ، من قولهم : ابقه بقوتك مالك - وزن ادعه - أي احفظه حفظك مالك ، ويلزمه النظر والمراقبة : بقيت الشيء - إذا نظرت إليه ورصدته ، ويلزمه الثبات : بقي بقاء - إذا دام{[40295]} ، والخير والجودة ؛ قال الزمخشري : لأن الرجل يستبقي مما{[40296]} يخرجه أجوده وأفضله ، ويقال : فلان من بقية قوم ، أي من خيارهم ، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى { وجعلنا بينهم موبقاً{[40297]} } إن شاء الله تعالى { ينهون } أي يجددون{[40298]} النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين { عن الفساد } الكائن{[40299]} { في الأرض } و " لولا " هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني ، ويجوز أن تكون{[40300]} تخصيصية كما قال الزمخشري ، ويكون للسامع لا للمهلك ، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في{[40301]} ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي و{[40302]} أوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم ، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على {[40303]}الأمر بالمعروف{[40304]} والنهي عن المنكر في الذروة العليا ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى { إنما أنت نذير } .

ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي ، كان المعنى : لم يكن من يفعل ذلك ، فاتصل الاستثناء في قوله : { إلا قليلاً } أي صالحين { ممن أنجينا منهم } والظاهر أن " من " بيانية ، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد ، وعبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج و{[40305]}الإبلاغ في{[40306]} الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى{[40307]} { واتبع } الأكثر وهم { الذين ظلموا } أي أوقعوا الظلم بترك{[40308]} النهي عن الفساد ، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب { منهم } { ما } ولما كان المبطر لهم نفس الترف ، بني للمفعول قوله : { أُترفوا فيه } فأبطرتهم{[40309]} النعمة حتى طغوا وتجبروا { وكانوا مجرمين* } أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام ، وهو قطع حبل الله على الدوام ، فأهلكهم ربك لإجرامهم ، ولولا ذلك لما فعل ، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلماً على ما يتعارفون{[40310]} .


[40282]:في ظ ومد: سؤالهم.
[40283]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40284]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40285]:من ظ ومد، وفي الأصل: فتبين.
[40286]:في ظ: الحبلية.
[40287]:من ظ ومد، وفي الأصل: اجتناب.
[40288]:من ظ ومد، وفي الأصل: يحتمل.
[40289]:في ظ: التأسف.
[40290]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40291]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40292]:في ظ: الإسراء.
[40293]:سقط من ظ.
[40294]:في مد: تلزمه.
[40295]:في ظ: أدام.
[40296]:في ظ: مما.
[40297]:سورة 18 آية 12.
[40298]:في ظ: يجدون.
[40299]:زيد من ظ ومد.
[40300]:من ظ ومد، وفي الأصل: يكون.
[40301]:سقط من مد.
[40302]:زيد من ظ ومد.
[40303]:في مد: المعروف.
[40304]:في مد: المعروف.
[40305]:ليس ما بين الرقمين في ظ.
[40306]:ليس ما بين الرقمين في ظ.
[40307]:زيد من ظ ومد.
[40308]:من ظ ومد، وفي الأصل: ترك.
[40309]:في ظ: فأبطرتم.
[40310]:سقط من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (116)

قوله تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين 116 وما كان ربك ليهلك القرى ظلم وأهلها مصلحون } .

لولا ، أداة تحضيض بمعنى هلا . و { القرون } بمعنى الأجيال والأمم . والبقية ، يراد بها الفضل والعقل والخير . قال الزمخشري في الكشاف : سمي الفضل والجودة بقية ؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا في الجودة والفضل ويقال : فلان من بقية القوم : أي من خيارهم{[2191]} .

والمعنى : هلا كان من الأمم التي سبقتكم ذوو بقية من الفهم والصلاح والعقل فيتعظوا ويتدبروا آيات الله ودلائله ويعلموا الحق من الباطل والإيمان من الجحود لكي ينبهوا أهل الضلال والمعاصي فيكفوا عن غيهم وظلمهم وفسادهم في الأرض { إلا قليلا ممن أنجينا منهم } { إلا } ، استثناء منقطع . { قليلا } منصوب على الاستثناء المنقطع مما قبله ؛ أي إلا قليلا منهم ، والمراد بالقليل : هم الذين صدقوا رسلهم واتبعوهم ؛ فقد كان هؤلاء على قتلهم ينهون عن الكفر والفساد فنجاهم الله مما حقا بالكافرين الذين ضلوا عن سبيل الله ضلالا بعيدا فكذبوا ملة التوحيد وجحدوا رسالات الله وآذوا أنبياءهم أشد إيذاء وهؤلاء هم الأكثرون الذين عصوا وأبوا إلا الكفر والعصيان فضلوا سادرين في شهواتهم وملذاتهم . وهو قوله : { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين } أي ابتع المشركون العصاة ما أنعموا فيه من الشهوات والملذات واهتموا بتحصيل الدنيا وما فيها من أموال ومتاع وبهجة ولم يعبأوا بما وراء ذلك { وكانوا محرمين } معطوف على { أترفوا } . والمعنى : أن هؤلاء أهل آثام وإجرام لاتباعهم الشهوات وانشغالهم في الحطام والخيرات وإعراضهم عن آيات الله .


[2191]:الكشاف جـ 2 ص 297.