ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام ، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به ، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور ، المحتوية على عجائب المقدور ، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم ، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلاً في قوام عيشهم ، فقال : { وإن لكم } ، أي : أيها المخاطبون المغمورون في النعم ! { في الأنعام } ، ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال : { لعبرة } ، فكأنه قيل : ما هي ؟ فقيل : { نسقيكم } ، بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائماً ، من نهر أو لبن وغيرهما ، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة : من سقاه - إذا ناوله شيئاً فشربه .
ولما كان الأنعام اسم جمع ، فكان مفرداً كما نقل ذلك عن سيبويه ، وذكر المسقي وهو اللبن ، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم ، فتعينت إرادة الإناث لذلك ، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير ، قال تعالى : { مما } ، أي : من بعض الذي { في بطونه } ، فذكر الضمير ؛ لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى ؛ لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون .
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره ، قدم قوله تعالى : { من بين فرث } ، وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً . { ودم لبناً خالصاً } ، من مخالط منهما أو من غيرهما ، يبغي عليه بلون أو رائحة ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثاً ، وأوسطه لبناً ، وأعلاه دماً . والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في الكرش . { سائغاً } ، أي : سهل المرور في الحلق { للشاربين * } .
قوله تعالى : { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ( 66 ) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( 67 ) } . العبرة بكسر العين ، تعني في اللغة : العجب . اعتبر منه ، أي : تعجب{[2557]} . ويراد بها ههنا الآية والدلالة على جلال الخالق في عظيم قدرته وبالغ حكمته ؛ إذ خلق الأنعام حيث النسل والدر . هذا الغذاء السائغ النافع المصفى الذي يتخلق في أحشاء الأنعام من أبقارها ونوقها وشائها ، وذلك هو قوله في كلماته القليلة الجزلة المصطفاة : ( نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ) ، الضمير في ( بطونه ) يعود إلى الأنعام . وهذا اللفظ ذكره سيبويه في الأسماء المفردة ، على لغة بعض العرب ، والفرث معناه : السرجين في الكرش . والسرجين أو السرقين بكسر السين المشددة معناه : الزبل معربا{[2558]} ، وهذا برهان ظاهر باهر بأمر على عظيم قدرة الله ، وآية ساطعة جليلة تثير العجب والاعتبار لمن يعتبر . وذلك أن الله يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم ، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ؛ بل هو خالص من ذلك كله . فإذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما . والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ؛ فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضروع ، ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر{[2559]} .
قوله : ( خالصا سائغا للشاربين ) ( خالصا ) ، أي : مصفى عما يشوبه من لون دم أو رائحة فرث أو غير ذلك من الأوشاب . والسائغ ، سهل المرور في الحلق . ساغ الشراب سوغا ، أي : سهل مدخله{[2560]} . وجاء في الخبر : " ما شرب أحد لبنا فشرق ، إن الله تعالى يقول : ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) وهذه آية عظيمة من آيات الله الكثيرة الدالة على أنه سبحانه حق ، وأنه موجد كل شيء . إن هذه العملية العجيبة في تخليق اللبن وتحصيله من وسط الأحشاء ، حيث الدم والروث والبول والدهن والأوشاب ، ليجيء غذاء سهلا طيبا مستلذا ، تستنفر الحس والذهن ، وتقطع في يقين جازم على عظمة الخالق الصانع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.