نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا} (51)

{ أو خلقاً } غيرهما { مما يكبر } أي يعظم عظمة كبيرة { في صدوركم } عن قبول الحياة ولو أنه الموت ، حتى تعلموا حال الإعادة ، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ما يريد ؟ فإن الكل أصله التراب ، فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله طوراً بعد طور إلى أن جعله حجراً أو حديداً { فسيقولون } تمادياً في الاستهزاء : { من يعيدنا } إذا كنا كذلك { قل الذي فطركم } أي ابتدأ خلقكم { أول مرة } ولم تكونوا شيئاً يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها ، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة { فسينغضون } أي مصوبين بوعد لا خلف فيه مشيرين { إليك رؤوسهم } أي يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون ؛ والنغض والإنغاض : تحريك بارتفاع وانخفاض { ويقولون } استهزاء : { متى هو } ثم وصل به قوله تعالى : { قل } قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم : { عسى أن يكون } أي كوناً لا انفكاك عنه { قريباً * } مطرقاً إليه الاحتمال لإمكانه غير جازم ،

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا} (51)

( أو خلقا مما يكبر في صدوركم ) أي السماوات والأرض والجبال ؛ فهي خلائق عظيمة في نفوسهم يهابونها أشد المهابة . والمراد : أنكم تستعبدون وتكذبون أن يجدد الله خلقكم فيردكم إلى حال الحياة بعد ما أصبحتم عظاما نخرة ، فكونوا ما شئتم إن استطعتم ؛ فإن الله محييكم وباعثكم خلقا جديدا يوم القيامة . قوله : ( فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) سيقول المشركون المكذبون : من ذا الذي يعيدنا خلقا جديدا بعد أن كنا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدورنا ؟ فقل لهم يا محمد : يعيدكم الذي فطركم أول مرة ؛ إذ لم تكونوا شيئا ؛ فالله الخالق القادر لا يعز عليه أن يصنع ما يشاء .

قوله : ( فسينغضون إليك رؤوسهم ) أي يحركون رؤوسهم استهزاء مما سمعوه منك . أنغض رأسه ؛ أي حركه كالمتعجب من الشيء{[2695]} . أنغض رأسه ينغضه إنغاضا . والإنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل . وذلك هو ديدن المرتابين الغواة في كل زمان . فدأبهم وديدنهم التكذيب مبادرين من غير روية ولا استبصار ولا إمعان . فما يلبثون أن يسمعوا كلمة الحق تصدر عن دعوة الإسلام حتى يبادروا التكذيب والصد وهم ينغضون رؤوسهم تهكما واستهزاءً . أولئك هم الضالون المضلون في كل زمان الذين أبوا إلا السقوط في الشقوة والتعس والعمه ليصيروا في الآخرة إلى جهنم .

قوله : ( ويقولون متى هو ) يسأل المشركون ، مرتابين مستبعدين قيام الساعة : متى البعث والمعاد ( قل عسى أن يكون قريبا ) أي يوم الساعة آت لا محالة . وكل ما هو آت قريب .


[2695]:- مختار الصحاح ص 670.