ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك{[8360]} بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك{ الشيطان يعدكم الفقر{[8361]} }[ البقرة : 268 ] وقال الحرالي : ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي{[8362]} يحصل به الزكاء{[8363]} والنماء ، وأيضاً لما أسس{[8364]} تعالى{[8365]} حكم الجهاد الذي هو أشق{[8366]} الأعمال على النفس{[8367]} نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق{[8368]} منه على الأنفس ، ومن حيث إن{[8369]} القتال مدافعة يشتمل{[8370]} على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ {[8371]}بأعمال الغريزتين{[8372]} : الشجاعة والجود ، ولذلك{[8373]} كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن ، انتهى - فقال تعالى : { وأنفقوا{[8374]} } {[8375]}وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال{[8376]} : { في سبيل الله } {[8377]}أي الملك الذي كل شيء تحت قهره{[8378]} كما قال :
وقاتلوا في سبيل الله{[8379]} }[ البقرة : 190 ] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر ، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة{[8380]} فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً{[8381]} }[ البقرة : 265 ] قال الحرالي : فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء ، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك{[8382]} الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى . فقال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم } أي تسرعوا بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق { إلى التهلكة } من الهلاك{[8383]} وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء{[8384]} عليكم العدو فلا يقوم{[8385]} لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك ، {[8386]}وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك ، وقيل : إنه لا ثاني له{[8387]} في{[8388]} كلامهم ، وحقيقة{[8389]} أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها . وقال الحرالي : إحاطة الخطاب تقتضي أن{[8390]} التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على{[8391]} مبنى الإسلام فيتطرق{[8392]} إلى هدمه ، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار{[8393]} الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها{[8394]} كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى . وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال : حسن{[8395]} صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه : " إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه و{[8396]}قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن{[8397]} أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا في أموالنا ! فأنزل الله هذه الآية ، فكانت التهلكة الإقامة{[8398]} على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو " وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال : نزلت في النفقة " .
ولما كانت التوسعة{[8399]} في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه {[8400]}وبأن{[8401]} الله لا يحب المعتدين وكانت{[8402]} التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من{[8403]} {[8404]}أعلى خلال{[8405]} الإيمان قال تعالى : { وأحسنوا } أي{[8406]} أوقعوا{[8407]} الإحسان على العموم بما{[8408]} أفهمه قصر{[8409]} الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق{[8410]} وظنوا بالله الحسن {[8411]}الجميل ، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم{[8412]} { إن الله } الملك العظيم{[8413]} { يحب المحسنين } أي يفعل{[8414]} معهم {[8415]}كل ما يفعله{[8416]} المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين .
قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال ، وفي إشعاره حض{[8417]} الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها{[8418]} ، فكما{[8419]} كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار{[8420]} عند التمسك به عن وصفه{[8421]} ، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم{[8422]} .
قوله : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) جاء في سبب نزول هذه الآية ما ذكر عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعناه أبو أيوب الأنصاري فقال ناس : ألقى بيده إلى التهلكة . فقال أبو أيوب : نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا : صحبنا رسول الله ( ص ) وشهدنا معه المشاهدة ونصرناه ، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ( ص ) ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد قد وضعت الحرب أوزارها ، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد{[263]} .
وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وكثيرون غيرهما في معنى هذه الآية : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه .
هذان قولان في سبب نزول هذه الآية من أقوال أخرى كثيرة ومتقاربة يفضي كلها إلى المقصود بإلقاء النفس في التهلكة ، وهما ترك الجهاد والنفقة في سبيل الله . فلا يترك أحد الجهاد ولا يبخل في النفقة في وجوهها المشروعة إلا من أودى بنفسه في التهلكة وهي مصدر فعله هلك يهلك .
وثمة أمثلة نسوقها لنبين فيها حكم الشرع وذلك في ضوء هذه الآية التي تحذر من إلقاء النفس في التهلكة .
فقد اختلف أهل العلم في الرجل يقتحم الحرب ثم يحمل على العدو بمفرده .
والراجح في هذه المسألة أنه إذا كان يقصد بذلك طلب الشهادة وقد خلصت فيه النية لله فلا بأس عليه في ذلك وليس ذلك من التهلكة في شيء . يقول الله سبحانه : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) فذلك هو الذي يبيع نفسه طلبا لرضوان الله .
ولو حمل الرجل بمفرده على أعداد كثيرة من المحاربين أو اللصوص أو المشركين ، فإن كان في حمله عليهم ما ينكّل بهم أو يحدث فيهم رجة نفسية واضطراباً أو ثغرة ينفذ منها المسلمون إلى قلب العدو فذلك حسن وهو ضرب من الحماسة الشجاعة المندفعة التي يكتب الله به للمتحمس الشهادة إذا ما قُتل .
وكذلك لو حمل مسلم بمفرده على أعداد كثيرة من عساكر العدو في المعركة وهو ينبغي بذلك تجرئة المسلمين على الاندفاع في اقتحام هاجم ، فضلا عن الترعيب الذي يحدثه في نفوس الأعداء فذلك حسن أيضا .
وحول هذا المعنى في مثل هذه المواقف رُوي أن رجلا قال للنبي ( ص ) : أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ؟ قال : " فلك الجنة " فانغمس في العدو حتى قتل .
ومما نسمعه في عصرنا هذا أن يزجي أحد الناس بنفسه في وسط العدو فيموت وإياهم . وذلك كالذي يتمنطق بحزام من الذخيرة المتفجرة فيدفع بنفسه في قلب العدو ليفجر فيهم ما يحوطه من عتاد متفجر موقوت . ومثل هذا الرجل الشجاع كأنما هو في شخصه وجسده قنبلة قابلة للانفجار ساعة إلقائها صوب العدو . فما حكم ذلك . وهل من بأس على المرء الشجاع المندفع في مثل هذه الحال ؟
نقول والله المستعان أن هذا المندفع الهاجم الشجاع وهو يبتغي الشهادة في سبيل الله ، فضلا عن مراده تدمير العدو وإشاعة الرعب في صفوفه ، له من بالغ الأجر والتكريم ما لم يعلم مداه وقدره إلا الله . وهو سبحانه وتعالى أعلم .
وقوله : ( وأحسنوا إن اله يحب المحسنين ) يأمر الله أن يعمل المؤمنون الطاعات على أفضل الدرجات وخير المقامات ، سواء في ذلك الإنفاق أو الجهاد وغير ذلك من جوه الإحسان وهو أرقى الدرجات في مراتب الأعمال والطاعات{[264]} .