نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (25)

ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سبباً لدعاء شعيب عليه الصلاة والسلام له ، قال بانياً على ما تقديره : فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما و بإحسانه إليهما ، فأمر بدعائه ليكافئه : { فجاءته } أي بسبب قول الأب وعلى الفور { إحداهما } أي المرأتين حال كونها { تمشي } ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه ، مالكة لزمامه ، عبر بأداة الاستعلاء فقال : { على استحياء } أي حياء موجود منها لأنها كلفت الإتيان إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه ؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف إليه السامع من أمرها فقال : { قالت } وأكدت إعلاماً بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه في قولها : { إن أبي } وصورت حاله بالمضارع فقالت : { يدعوك ليجزيك } أي يعطيك مكافأة لك ، لأن المكافأة من شيم الكرام ، وقبولها لا غضاضة فيه { أجر ما سقيت لنا } أي مواشينا ، فأسرع الإجابة لما بينهما من الملاءمة ، ولذلك قال : { فلما } بالفاء { جاءه } أي موسى شعيباً عليهما الصلاة والسلام { وقص } أي موسى عليه الصلاة والسلام { عليه } أي شعيب عليه الصلاة والسلام { القصص* } أي حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم لعباد الله ، وتتبع له الأمور على ما هي عليه لما توسم فيه بما آتاه الله من الحكم والعلم من النصيحة والشفقة ، والعلم والحكمة ، والجلال والعظمة .

ولما كان من المعلوم أنه لا عيشة لخائف ، فكان أهم ما إلى الإنسان الأمان ، قدم له التأمين بأن { قال } أي شعيب له عليهما الصلاة والسلام : { لا تخف } أي فإن فرعون لا سلطان له على ما ههنا ، ولأن عادة الله تعالى جرت أن تواضعك هذا ما كان في أحد إلا قضى الله برفعته ، ولذلك كانت النتيجة : { نجوت } أي يا موسى { من القوم الظالمين* } أي هو و غيره وإن كانوا في غاية القوة والعراقة في الظلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (25)

قوله : { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء } { تَمْشِي } ، جملة فعلية في محل نصب على الحال . و { عَلَى اسْتِحْيَاء } ، في محل نصب على الحال كذلك{[3490]} ويستدل من ظاهر هذه العبارة أن البنتين ذهبتا إلى أبيهما فقصتا عليه ما كان من الرجل الذي سقى لهما ، فأمر الكبرى من بنتيه ، أو الصغرى منهما أن ترجع إليه لتدعوه إلى أبيها ، فذهبت إليه تمشي مشي العفاف الفضليات ، فقالت له في حياء جم : { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } { ما } ، مصدرية ؛ أي أجر سقيك لنا{[3491]} يعني ليكافئك جزاء سقيك . فأجابها موسى وذهب معها لمشاهدة أبيها ، ولعله إنما أجابها من أجل التبرك برؤية أبيها الشيخ الكريم . وما ينبغي أن يتصور النهي عن سيره مع أنثى في الطريق ؛ فإنه معصوم عن فعل المحرمات ، وهو بعصمته مبرأ من احتمالات الفتنة التي تراود غير المعصومين من الناس .

قوله : { فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } لما جاء موسى أباها وقص عليه خبره وما جرى له من آل فرعون ، أجابه الشيخ –وهو شعيب على الراجح- { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي لا تخش من فرعون ، فإنه ليس له على مدين سلطان .


[3490]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 231.
[3491]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص231.