نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} (179)

ولما كان مطلق المسارعة أعم مما{[19921]} بالعوض ، وهو{[19922]} أعم مما بالرجوع ، جاء نظم الآيات على ذاك ؛ ولما كشفت هذه الوقعة{[19923]} جملة من المغيبات{[19924]} من أعظمها {[19925]}تمييز المخلص{[19926]} فعلاً أو قولاً من غيره ، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم{[19927]} بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم قربه{[19928]} منه سبحانه وتعالى : { ما كان الله } أي مع ما له من صفات الكمال .

ولما كان{[19929]} ترك التمييز غير محمود ، عبر بفعل الوذر{[19930]} ، وأظهر موضع الإضمار لإظهار{[19931]} شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال : { ليذر المؤمنين } أي الثابتين في وصف الإيمان { على ما أنتم عليه } من الاختلاط بالمنافقين{[19932]} ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال للاقتناع بدعوى اللسان دليلاً على{[19933]} الإيمان { حتى يميز الخبيث من الطيب } بأن يفضح المبطل و{[19934]}إن طال{[19935]} ستره بتكاليف شاقة وأحوال شديدة ، لا يصبر عليها إلا الخلص من العباد ، المخلصون في الاعتقاد { وما كان الله } لاختصاصه بعلم الغيب { ليطلعكم على الغيب } أي{[19936]} وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه{[19937]} لتعلموا به{[19938]} الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم{[19939]} { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله { يجتبي } أي يختار اختياراً بليغاً { من رسله من يشاء } أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم{[19940]} للكفر أقرب منهم للإيمان ، وأنهم يقولون بأفواههم{[19941]} ما ليس في قلوبهم{[19942]} . ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال : { فأمنوا بالله } أي في أنه عالم الغيب والشهادة ، له الأسماء الحسنى { ورسله } في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون{[19943]} به عنه .

ولما كان التقدير : فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب {[19944]}العظيم الأليم{[19945]} المهين ، عطف عليه قوله : { وإن تؤمنوا } أي بالله ورسله { وتتقوا } أي بالمداومة على الإيمان ، وما يقتضيه من العمل الصالح { فلكم أجر عظيم * } أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئاً كما تقدم وعدكم به .


[19921]:من ظ ومد، وفي الأصل: منها.
[19922]:من ظ ومد، وفي الأصل: هم.
[19923]:من ظ ومد، وفي الأصل: الواقعة.
[19924]:في ظ: المعينات.
[19925]:في ظ: تصير الخلص.
[19926]:في ظ: تصير الخلص.
[19927]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنصبهم.
[19928]:في ظ: قربته.
[19929]:زيد من ظ ومد.
[19930]:من مد، وفي الأصل وظ: الورد.
[19931]:سقط من ظ ومد.
[19932]:من ظ ومد، وفي الأصل: لمنافقين.
[19933]:زيد بعده في الأصل: إن، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[19934]:من ظ ومد، وفي الأصل: لما كان.
[19935]:من ظ ومد، وفي الأصل: لما كان.
[19936]:زيد من ظ ومد.
[19937]:زيد من ظ ومد.
[19938]:في ظ: إنه.
[19939]:في ظ: أحوالهم.
[19940]:من ظ ومد، وفي الأصل: يرجوا عنهم.
[19941]:سقط من ظ ومد.
[19942]:سقط من ظ ومد.
[19943]:في ظ: تخبرون.
[19944]:في ظ: الأليم العظيم.
[19945]:في ظ: الأليم والعظيم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} (179)

قوله تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) .

المخاطب في قول أكثر المفسرين هم الكفار والمنافقون . أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي صلى الله عليه و سلم ، ذلك أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : تزعم محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض ، فأخبرتا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك ؟ فأنزل الله ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) .

وقيل : الخطاب للمصدقين جميعا من أهل الإخلاص والنفاق . فيكون المعنى : ما كان ليدع المؤمنين المخلصين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق فلا يعرف هذا من هذا حتى يميز الخبيث وهو المنافق الذي يستسر الكفر من الطيب وهو المؤمن الصادق .

أما كيفية التمييز بين المخلصين والمنافقين فثمة وجوه في ذلك :

منها : إلقاء المحن والمصائب كالقتل والهزيمة ونحوهما : وعندئذ يظهر المنافق ويستبين المؤمن الصادق .

ومنها : الهجرة والجهاد ، وهذان امتحنانا يعز على المنافق أن يحتملهما حتى تنكشف حاله للناس واضحا معزولا . بخلاف المؤمن الصادق فإنه مطوع لأوامر الله ورسوله لا يميل عنهما ولا يتردد في الاضطلاع بهما .

ومنها : أن المؤمنين الصادقين يغمرهم الفرح والبهجة عند كل نصر يظفر به المسلمون ، لكن المنافقين يغشاهم بسبب ذلك اغتمام وتنغيص .

قوله : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) المخاطب المؤمنون . والمعنى أن الله لا يطلعكم على الغيب المستور فيقول لكم إن فلانا منافق وفلانا مؤمن . فلا يتسنى مثل هذا الإطلاع للناس . ولا سبيل للمؤمنين للوقوف على النفاق وتمييز المنافقين إلا بالمحن والابتلاءات يمتحن الله بها عباده . وقد ظهر ذلك في يوم أحد إذا تخلف المنافقون عن الجهاد . بل شمتوا بالمسلمين وفرحوا لما أصابهم من قتل وهزيمة .

قوله : ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) أي أن الله يختص أو يستخلص لرسالته من يشاء من عباده فيطلعه على بعض المغيبات .

وقوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) لما سأل الكفار رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبين لهم من هو مؤمن منهم ومن هو كافر أنزل الله قوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) أي لا يشغلنكم ما ليس يعنيكم فإن الخوض في مثل هذه المساءلات لا جدوى منه لكم ، لكن اشتغلوا بما يعنيكم وينفعكم وفيه النجاء لكم وهو الإيماء فآمنوا ، أي صدقوا وأيقنوا وامتثلوا ، فإنكم صدقتم واتقيتم ربكم بطاعته فيما أمر ، وفيما نهى فإن لكم بذلك من الله عظيم الثواب ؛ لذلك قال : ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) .