نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، أخبر عن البيت الذي يحول إليه التوجه{[18326]} في الصلاة ، فعابوه على أهل{[18327]} الإسلام أنه أعظم{[18328]} شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي{[18329]} كفروا بتركها ، ولذلك أبلغ في تأكيده{[18330]} فقال سبحانه وتعالى : { إن أول بيت } أي من البيوت الجامعة للعبادة { وضع للناس } أي على العموم متعبداً واجباً عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ولعل بناء{[18331]} وضع للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام { للذي ببكة } أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة ، ويزدحم{[18332]} الناس فيها إزدحاماً{[18333]} لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه ، فلا بد أن{[18334]} يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ، ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاماً لم يعهد مثله ، فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم ؛ حال كونه { مباركاً } أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا { وهدى للعالمين * } أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم ، فعاب{[18335]} عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم {[18336]}من النسخ{[18337]} ما أنكروه على مولاهم .

وذلك نسخهم لما شرعه من حجة{[18338]} من عند أنفسهم تحريفاً{[18339]} منهم مثالاً لما قدم من{[18340]} الإخبار به عن كذبهم ، وهذا أمر شهير يسجل{[18341]} عليهم بالمخالفة ويثبت{[18342]} للمؤمنين المؤالفة ، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسلام - كما هو مبين في{[18343]} السير وغيرها وهم عالمون بذلك ، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن{[18344]} النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان{[18345]} مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفاً من بني إسرائيل ، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم ، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً ، فكيف يصح لهم دعوى أنهم{[18346]} على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم{[18347]} من معظم شرائعه !


[18326]:سقط من ظ.
[18327]:في ظ: التوبة.
[18328]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعلم.
[18329]:من ظ ومد، وفي الأصل: الذي.
[18330]:من ظ ومد، وفي الأصل: تأكيده.
[18331]:زيد من ظ ومد.
[18332]:في ظ: من زحم.
[18333]:في ظ: أزواجا.
[18334]:زيد بعده في الأصل: يكون، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18335]:من ظ ومد: وفي الأصل: فتاب.
[18336]:سقط من ظ.
[18337]:سقط من ظ.
[18338]:من مد، وفي الأصل وظ: حجة.
[18339]:في ظ: تخويفا.
[18340]:سقط من ظ ومد.
[18341]:من مد، وفي الأصل وظ: يسحل.
[18342]:في ظ: ثتب.
[18343]:زيد من ظ ومد.
[18344]:سقط من ظ.
[18345]:زيد من ظ ومد.
[18346]:في ظ: لأنهم.
[18347]:في ظ: أسلامهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان منا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين واليهود تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[523]} .

يخبر الله تعالى في ذلك أن أول بيت وضع لعموم الناس من أجل عبادتهم لهو الذي ببكة . وليس المراد أنه أول بيت وضع في الأرض ؛ لأنه كانت قبله بيوت كثيرة ، يدل على ذلك من الأخبار ما رواه أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " {[524]} .

وقام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : ألا تحدثني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا{[525]} .

إذا ثبت أن هذا البيت ( الكعبة ) أول بيت وضع للناس كيما يعبدوا الله فيه ، فإنه ينبغي القول أن هذا البيت خير بيوت العبادة في الأرض طُرّا ؛ وذلك لما يُحف به من الفضل والشرف وعلو المكانة . وذلك مستفاد من ظاهر الآية ( مباركا ) طيبا .

وقد دلل الإمام الرازي على ثبوت الأولية في الفضل والشرف للكعبة خاصة يجعلها تعلو في المنزلة على بيت المقدس . وذلك بجملة دلائل منها : أولا : اتفاق الأمم على أن باني البيت هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأن باني بيت المقدس هو سليمان عليه السلام . والخليل من حيث الدرجة أعظم من سليمان عليه السلام ، فهو ( الخليل ) أحد النبيين الخمسة أولى العزم المفضلين على سائر الأنبياء والمرسلين . فمن هذا الوجه لزم أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس .

ثانيا : خاصية الأمن التي تتجلى في مكة حيث البيت الحرام بما ليس لذلك نظير في سائر بقاع الدنيا . وعلى هذا فإن كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة ، لا جرم أن ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ حيث قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) وقال سبحانه فيما يتجلى في هذا البيت من أمن : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ولم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ لكن بيت المقدس قد هدمه الطاغية الشقي ، الكلداني بختنصر بالكلية .

ثالثا : لما قاد أبرهة الأشرم الجيوش والفيل متوجها صوب مكة لتخريب الكعبة وتدميرها وقد عجزت قريش عن مقاومة أولئك الطغاة المخربين ففارقت مكة لتظل الكعبة وحدها هدفا ميسورا لأبرهة وعساكره المفسدين فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميمهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغير ، لا جرم أن هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وهي إرهاص{[526]} لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم{[527]} .

قوله : ( الذين ببكة ) اللام تفيد التوكيد . وبكة المراد بها مكة ، أما اشتقاقها فهو موضع خلاف ، فقد قيل : من البك وهو التدافع والتزاحم . بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه . وتباك القوم إذا ازدحموا . وعلى هذا سميت مكة بكة ؛ لأنهم يتباكّون فيها أي يزدحمون في الطواف .

وقيل : البك معناه الدق . وسميت بكة ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة فلا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وقيل غير ذلك{[528]} .

قوله : ( مباركا ) منصوب على الحال ، من البركة وهي النماء والزيادة ، وقد جعل البيت الحرام مباركا لما يحصل لحاجه ومعتمره والعاكف عنده والطائف من حوله من الخير المضاعف الكثير ، لا جرم أن فعل الخيرات وأداء الطاعات في بيت الله الحرام يفوق في كثرته فعل الطاعات والخيرات فيما سواه من الأماكن الأخرى ، فضلا عما يسعد به العابد في تلكم الديار من تكفير للخطايا والذنوب واستجابة للدعوات يهتف بها القلب المؤمن ، وهو في رحاب الله حيث البيت المفضل العتيق .

قوله : ( وهدى للعالمين ) الهدى يعني الرشاد والدلالة . هداه هدى وهديا وهداية ، أي أرشده ودله . ومنه هداه الله الطريق{[529]} وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها .


[523]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 76.
[524]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 383.
[525]:- نفس المصدر السابق.
[526]:- الإرهاص: الأمر الخارق للعادة يظهر للنبي قبل بعثته، أرهص على الذنب: أصر عليه. راهصة: راصده وراقبه. بني له مراهص: جعل له ثوابت وأسس، كيلا يميل. أنظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 377.
[527]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 159، 160.
[528]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 305 وتفسير الرازي جـ 8 ص 161 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 138.
[529]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 405.