نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

ولما طال التحذير و{[20629]}الزجر{[20630]} والتهويل في شأن اليتامى ، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأساً فتضيع مصالحهم{[20631]} ؛ وصل بذلك{[20632]} ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكداً {[20633]}لما كان{[20634]} قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم : { إن الذين } ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال : { يأكلون أموال اليتامى ظلماَ } أي أكلاً هو في غير موضعه بغير دليل يدل{[20635]} عليه ، فهو كفعل من يمشي في الظلام ، ثم أتبعه ما زاده تأكيداً بالتحذير في سياق الحصر فقال : { إنما يأكلون } أي في الحال ، وصور الأكل وحققه بقوله : { في بطونهم ناراً } أي تحرق المعاني الباطنية{[20636]} التي تكون بها قوام الإنسانية ، وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ، ولكنا{[20637]} لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكرراً التحذير مبيناً بقراءة الجماعة بالبناء{[20638]} للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم{[20639]} : { وسيصلون } أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه { سعيراً * } أي عظيماً هو نهاية في العظمة ، وذلك هو معنى قراءة{[20640]} ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول ، أي يلجئهم إلى صليها{[20641]} ملجىء قاهر لا يقدرون {[20642]}على نوع{[20643]} دفاع له .


[20629]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20630]:من مد، وفي ظ: الجزر.
[20631]:من مد، وفي ظ: مصلحتهم.
[20632]:في ظ: بذ ـ كذا مقطوعا.
[20633]:من ظ ومد، وفي الأصل: للمكان ـ كذا.
[20634]:من ظ ومد، وفي الأصل: للمكان ـ كذا.
[20635]:في ظ: تبدل.
[20636]:من ظ ومد، وفي الأصل: الباطنة.
[20637]:في ظ: لكنها.
[20638]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالياء.
[20639]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنفسهم.
[20640]:في ظ: قرأ.
[20641]:من ظ ومد، وفي الأصل: جبلها.
[20642]:سقط من ظ.
[20643]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

قوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) . ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية قد نزلت في الأوصياء الذين يأكلون ما لا يجوز أكله من مال اليتامى . ولعل الأظهر في الآية أن تدل على العموم ليشمل المراد بها كل من يعتدي على مال اليتيم سواء كان وصيا أو غيره . إذ لا يشترط أن ينحصر أكل مال اليتيم في الأوصياء دون غيرهم فإن كثيرا من الطامعين والعصاة من غير الأوصياء يتطاولون على اليتيم في ماله ليأكلوه دون تورّع أو تقوى .

ولا ينحصر الاعتداء في الأكل ، بل إنه يشمل كل وجوه الأخذ والإتلاف . لكنه قد ذكر الأكل لكونه الغالب في كيفية الاستفادة من المال . وفي الجملة فإن الاعتداء على مال اليتيم بأكله أو استلابه وأخذه بغير حق لا جرم أن يكون ظلما ، والظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه ، وهو انحراف وميل عن القسطاس المستقيم وعن شرع الله الحكيم . والآكلون لأموال اليتامى هم من الظلمة الفسّاق الذين ستكتوي جلودهم وأبدانهم بلظى النار الحارقة فضلا عن أكل النار إذ تلج بطونهم فتتأجج فيها تأججا .

ومن لطيف المعنى المنبثق من التعبير بالبطون أن يكون في ذلك بيان لنقص الآكلين وخستهم وما هم عليه من ضعة وابتذال وفساد للطبع . ولا جرم أن يكون ذلك من التشنيع عليهم وإركاسهم في الهوان والحضيض .

وفي ذلك روي عن أبي سعيد الخذري قال : حدّثنا رسول الله ( ص ) عن ليلة أسري به قال : " رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكّل بهم من يأخذ بمشارفهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت : يا جبريل من هؤلاء . قال : هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل : يا رسول الله وما هن ؟ قال " الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وعلى ذلك فإن أكل مال اليتيم لهو من كبائر الإثم والفواحش التي تودي بالآكلين الظالمين في العذاب الشديد .

قوله : ( وسيصلون سعيرا ) من الصلي أو الصلاء وهو حر النار أو الوقود ، أو هو التسخين أو التحمية بالنار سواء كان ذلك بالاقتراب منها أو مباشرتها{[701]} .


[701]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 355.