سورة النساء{[1]}
مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران ، والكتاب الذي حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس {[2]} بن قيس وأنظاره من الفرقة ، وهذه /السورة من أواخر{[3]} ما نزل ، روى البخاري في فضائل القرآن عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تريه مصحفها ، فقالت : لم ؟ قال : لعلي أؤلف{[4]} القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف{[5]} . قالت : و ما يضرك أيه قرأت{[6]} قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها{[7]} ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء " لا تشربوا " الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر{[8]} أبدا ، ولو نزل " لا تزنوا " لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة{[9]} على محمد {[10]} وإني لجارية ألعب " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " {[11]}وما نزلت{[12]} سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور{[13]} انتهى . وقد عنت بهذا رضي الله عنها أن القرآن حاز أعلى{[14]} البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه{[15]} الأحوال بحسب الأزمان ، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه{[16]} المفاهيم من المقال{[17]} كما نشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال .
ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت{[18]} إليه السورتان قبلها من التوحيد ، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت " النساء " لذلك ، ولأن بالاتقاء فيهن تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد { بسم الله } الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج{[19]} في لطائف المقدور { الرحمن } الذي جعل الأرحام رحمة عامة { الرحيم * } الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله{[20]} نعمة تامة .
لما تقرر أمر{[20282]} الكتاب الجامع الذي هو الطريق ، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك ، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع و{[20283]}التواصل والتعاطف والتراحم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس ، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً : العلم والشجاعة والعدل والعفة ، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام ، وكانت{[20284]} آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنتين{[20285]} منها ، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية { نزل عليك الكتاب بالحق }[ آل عمران : 3 ] ، { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم }[ آل عمران : 7 ] ، { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم }[ آل عمران : 18 ] ، { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }[ آل عمران : 139 ] ، { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله }[ آل عمران : 146 ] { فإذا عزمت فتوكل على الله }[ آل عمران : 159 ] ، { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله{[20286]} أمواتاً }[ آل عمران : 169 ] ، { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح }[ آل عمران : 172 ] ، { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا }[ آل عمران : 200 ] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله ، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل ؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين ، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين{[20287]} الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة ، وذلك مثمر {[20288]}للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان ، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين ، وما أحسن ابتداؤها بعموم{[20289]} : { يا أيها الناس } بعد اختتام تلك بخصوص " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا{[20290]} " الآية .
ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة{[20291]} من التكاليف ، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها ، فكانت في غاية{[20292]} المشقة على النفوس ، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال : { اتقوا ربكم } أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد ، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس . ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثاً على أساس{[20293]} التقوى من العفة والعدل فقال : { الذي } جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها{[20294]} ، وذلك أنه { خلقكم من نفس واحدة } هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكراً{[20295]} بعظيم قدرته ترهيباً للعاصي وترغيباَ للطائع توطئة للأمر بالإرث ، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ، والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما{[20296]} دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد{[20297]} تصويراً لا مزيد عليه ، فدل فيها{[20298]} على المبدإ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا{[20299]} لأجله ، لتظهر{[20300]} الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم{[20301]} ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، ورتب ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية ، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام ، وكانت حقيقة حاله أنه ذكرٌ تولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفاً على ما تقديره جواباً لمن كأنه قال : كيف كان ذلك ؟ - إنشاء تلك النفس ، أو تكون{[20302]} الجملة حالية - { وخلق منها زوجها } أي مثله في ذلك أيضاً كمثل حواء : أمه ، فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى ، فصار مثله كمثل{[20303]} كل من أبيه وأمه : آدم وحواء معاً عليهما الصلاة والسلام ، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية{[20304]} بعضكم من بعض{[20305]} مع آية البث التي بعد هذه - حاصراً{[20306]} للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها ، وهي بشر{[20307]} لا من ذكر ولا أنثى ، بشر منهما ، بشر من ذكر فقط ، بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق ، وعبر عن غيرها بالجعل ، لخلو السياق عن هذا الغرض ، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام ( كذلك الله يفعل ما يشاء{[20308]} }[ آل عمران : 40 ] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام{ يخلق ما يشاء{[20309]} }[ آل عمران : 47 ] ، وأيضاً فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى ، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتدار - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم ! .
ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية ، ولما كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره : وبث لكم منه إليها : { وبث منهما } أي فرق ونشر {[20310]}من التوالد{[20311]} ، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدماً وهو الذي أوجده من العدم نكر{[20312]} لإفهام ذلك قوله : { رجالاً كثيراً ونساءً } من نفس واحدة ؛ كان إحسان{[20313]} كل من الناس إلى كل منهم من صلة{[20314]} الرحم ، و{[20315]}وصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار .
ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيراً إلى أنه جدير{[20316]} بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمراً آخر مشيراً إلى أنه{[20317]} يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال : { واتقوا الله } أي عموماً لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصاً لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سبباً لتربيتكم .
ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف{[20318]} نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : { الذين تساءلون } أي يسأل بعضكم بعضاً { به } فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحاً فقال : { والأرحام } أي و{[20319]} اتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون : ناشدتك بالله والرحم ! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة . فقال مؤكداً لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال{[20320]} من يشك في أنه بعين الله سبحانه : { إن الله } أي المحيط علماً وقدرة { كان عليكم } وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد { رقيباً * } وخفض حمزة " الأرحام " المقسم بها تعظيماً لها وتأكيداً للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم{[20321]} بالنجم والتين{[20322]} وغيرهما ، والقراءتان{[20323]} مؤذنتان{[20324]} بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفاً كما شرحته آية
{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه{[20325]} }[ الإسراء : 23 ] ، وغيرها - أو كان قسماً ، واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع{[20326]} الحلال .
هذه السورة مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح هي قوله تعالى : [ إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها ] .
ولا جرم أن تكون هذه السورة عظيمة بكونها من أكبر وأشمل السور التي وردت في القرآن الكريم خصوصا وأنها مدنية . فهي بطبيعتها قد جاءت لتشتمل على ضروب شتى من الأحكام والتفصيلات في مختلف أمور الدين و الدنيا من خلال أسلوب قرآني متميز ، غاية في الروعة والسموق بما يحقق للقرآن معجزته الخالدة وحجته التي تنطق بإلهية هذا الكلام الرائع الخلاب .
ولدى استعراض السورة نجد حقيقة الشمول الذي يتناول مسائل وجوانب عديدة كان أولها الخطاب الموجه لبني الإنسان كيما يتقوا الله الذي خلق البشرية من نفس واحدة هي آدم أبو الشر ومن زوجه حواء التي خلقها من نفسها ( آدام ) على نحو وكيفية لا نعلمها نحن على اليقين إلا ما ورد في ذلك من أقوال لا تستند إلى حجج قواطع .
وفي السورة تحضيض على ملاطفة اليتامى وألا تؤكل أموالهم بغير حق وبالطرق غير المشروعة فإن ذلك من كبائر الآثام والمعاصي .
وفي السورة كذلك حض على النكاح فإنه من الأمور التعبدية التي تتراوح بين الندب والوجوب بحسب الحال من الرغبة واليسر وامتلاك المهر والنفقة . ثم تعرض الآية في هذا الصدد إلى إباحة تعدد الزوجات في صراحة لا تقبل التأويل أو التمحل الفاسدين . فإن حقيقة التعدد حتى الزوجة الرابعة لا يداور فيها أو يكابر إلا جاهل أو مضطرب يحس بضاغط الهزة تزلزل شخصه وكيانه تحت وابل كثيف من افتراءات الأعداء والخصوم اللّد وهم ينشرون أسباب الشبهة والريبة والظنون حول دين الإسلام ونبيّه الكريم ( عليه الصلاة والسلام ) وفي هذه المسألة بالذات مزيد من البيان المفصل نشرح من خلاله تعدد الزوجات وما يدور حول ذلك من ترّهات ظالمة ساقطة ، تبثها أقلام الحاقدين أو المارقين الذين ينعقون نعيق الغربان في جهل مطبق وتقليد فاسد أعمى . وكذلك توجب السورة إيتاء النساء مهورهن على وجه الفريضة وعن طيب خاطر إلا أن تجود أنفسهن أنفسهن بشيء من ذلك لمن يشأن من غير قسر أو إكراه .
وتوصي الآية باختبار اليتامى حتى إذا علم الأوصياء أنهم على درجة مقبولة من التعقل والتمييز وجب أن تدفع إليهم أموالهم وألا تؤكل مبادرة قبل أن يكبروا إلا أن يكون ذلك على وجه الأجرة المشروعة يأخذها الوصي الفقير ، أما إن كان غنيّا فإن عليه أن يستعفف .
وفي السورة بيان مجمل سريع لمسألة هي من أجل وأروع ما في الفقه من مسائل . وتلك هي مسألة المواريث .
ومما لا ريب فيه أن مسألة التوريث في شريعة الإسلام قد جاءت على غاية من الإحكام المضبوط الذي لا نظير له في مختلف شرائع الأرض عل مد الأحقاب والأزمان . وهي مسألة هامة وعظيمة باعتبارها بالغة اللصوق بحياة الأفراد والأسر من حيث حقوقهم المشروعة في أموال المورثين ، ومن حيث التوزيع الرائع لهذه الحقوق . وسوف نعرض لهذه المسألة لدى تفسير آيات المواريث إن شاء الله .
وفي السورة بيان بالنساء المحرمات من حيث النكاح . وتحريم النكاح يقع تحت أسباب ثلاثة وهي النسب والصهرية والرضاع . وقد ورد ذلك في السورة على نحو وجيز مجمل يتطلب مزيدا من الشروع والتفصيلات التي نقف عليها من خلال السنة النبوية وأقوال الفقهاء المسلمين .
وفي السورة نهي عن أكل الحرام وقتل الإنسان نفسه فإن ذلك عدوان عل الأموال والأنفس ، وظلم يحيق بمن تؤكل أمواله بغير حق وبمن هريق دمه ظلما وجورا .
وتأتي بعد ذلك مسألة القوامة وهي المسؤولية وقد نيطت بالرجل باعتباره القيّم والمسؤول عن الأسرة ؛ لما في ذلك من مسايرة لبديهيات الأمور ومراعاة حقيقة لجانب الفطرة التي تنطق بصلاحية الرجل لاحتمال المسؤولية عن البيت ومن فيه من زوجة وأطفال . ولا يعني ذلك شيئا من التحكم والمحاباة أو الاعتساف والاستبداد من غير تشاور مع الزوجة وتقدير لرأيها في البيت . بل المقصود أن يكون الرجل هو المسؤول الأول لكونه مهيئا بعامل الخلقة والفطرة لقيادة الأسرة نحو الخير والسعادة وفي هذا يحرص الإسلام أعظم الحرص على أن يكون عنصر التكامل والتوافق والتآزر مستديما داخل البيت لكي يتبدد من سماء الأسرة والبيت كل شبح يشي بالقطيعة أو التمزق أو يلوح من بعيد ليحمل شيئا من بواعث الفراق أو الطلاق . وفي السورة نهي عن قربان الصلاة ساعة السكر ؛ كيلا يقع للمصلي حال الصلاة شيء من الخلط أو الخطأ . وكذلك فإنه ليس للجنب أن يصلّي إلا بعد اغتسال كامل سابغ . وإن تعسر ذلك لانعدام الماء أو كان في مسه ما يسبب أذى أو ضررا جاز للمصلي أن يتيمم لاستباحة الصلاة وغيرها من تلاوة القرن ودخول المسجد .
ثم تعرض السورة للذين هادوا وهم اليهود الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه عل نحو خبيث من التحريف واللّيّ في العبارة بما يوهم السامع خلاف ما تحويه الصدور المريضة والتي تحتبس في جوفها ركاما من الضغن والكراهية للإسلام والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام .
هؤلاء الذين هادوا قد أوتوا نصيبا من الكتاب ( التوراة ) يؤمنون بالشرك والطاغوت ويطلقون الفتوى الكاذبة بأن العرب المشركين الجاهلين هم أصوب طريقا وأصدق دينا من المسلمين . وذلك قول ظالم كاذب يستحق قائله اللعنة من الله سبحانه لتصم القائل المفتري بوصمة الزيغ والضلال إلى نهاية الزمان .
ويأمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن في أدائها وفاء بالعهد الملزم وإبراء للذمة التي تثقل الكاهل وخلوصا بالنفس إل حيث التطهر والاستقامة والبراءة من حقوق الناس .
وبعد ذلك يأتي دور المنافقين وهم فئة ضالة خبيثة مفسدة في الأرض لما تطهره من صلاح خادع مصطنع وما تخفيه من خبايا السوء الذي تنثني عليه النفوس الملتوية المريضة . هذه الفئة الخبيثة المتدسسة تصد عن الإسلام ونبيه صدودا ، فتعمل في الظلام لتبث الأكاذيب والإشاعات والشبهات بما ينشر في المجتمع أسباب الريبة والتخاذل والهزيمة . كل ذلك من طرف خفي والناس في غفلة إلا أن ينتبه فريق من المؤمنين الحذرين ليكشفوا عن هؤلاء المنافقين أغشية الدجل والخداع .
ثم يأتي القسم المجلجل الحاسم الذي يتضمن حَلْفا إلهيا مؤثرا بأن أحداً لا يكون على الإيمان الصحيح أو جادّة الإسلام الحق إلا إذا جعل من كلمات الله وسنّه نبيه حكما تنفض به المشكلات والقضايا من غير أن يجد المرء في ذلك شيئا من حرج أو مضايقة . وتلك مسألة هامة وخطيرة ترتسم عندها صورة حية للمفاصلة التامة التي يفترق عندها الحق عن الباطل ويميز الله بها الخبيث من الطيّب أو الشرك بكل صوره وأشكاله عن الإخلاص الذي يستلزم المضيء في خط الله وفي ظلاله من غير انحراف أو ازورار .
وفي معرض التحريض عل الجهاد ومحاربة الأعداء يأمر الله المسلمين في هذه السورة بأن يأخذوا حذرهم ثم ليكن نفيرهم بعد ذلك على الحالة التي يرون لد اندفاعهم في ملاحقة العدو أو مقابلته سواء كان ذلك عل نحو من الكتائب والسرايا أو أن ينفروا جميعا . وفي هذا الصدد تحتوي السورة عل نصيب كبير من الدعوة للحرب لمجاهدة اللئام المتربصين الذين يرفضون شرع الله والذين يبتغون الفساد والخراب في الأرض . ولا ريب أن هؤلاء يقاتلون من أجل الباطل وفي سبيل الشيطان فيجب قتالهم دون تريّث أو هوادة ويجب أن لا يأخذ المسلمين في ذلك شيء من هلع أو خشيه فالله سبحانه هو أحق أن يخشى وأن يطاع .
وفي السورة تبيين لحال القتل سواء كان خطأ أو عمدا . وثمة مرتبة أخرى وسط وهي شبه العمد وهي أقرب للخطأ منها للعمد لانعدام القصد المبيّت بالقتل .
وفي السورة كذلك تجويز لقصر الصلاة عند السفر وذلك أن تتحول الصلوات ذوات الركعات الأربع إلى ركعتين اثنتين . ثم تلي ذلك صلاة من نوع اخر وهي صلاة الخوف وذلك عند حمي الوطيس واشتداد لهيب المعركة .
وفي السورة ما يعرف في الفقه بالخلع ، بضم الخاء ، وهو المخالعة بين الرجل والمرأة ( الزوجان ) إذا استحكم بينهما الشر من غير اقتدار بعد ذلك عل الاحتمال والعيش . فلا يبق بعد ذلك مناص من المفارقة لكي يذهب كل منهما في سبيله مقابل شيء من المال تدفعه المرأة لبعلها .
ثم تحذّر السورة من مغبة الحيف يوقعه الرجل على المرأة في حال التعدد . وهو حيف ظالم ومحرّم إذا كان ذلك يتم في مجال الواقع والحسّ كالنفقة والمبيت وكل صور الإكرام . أما إن كان التفضيل وجدانيا محشورا في خبايا القلوب فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا إثم عليه ؛ لأنه احساس وجداني لا طاقة للرجل عل التحكم فيه .
ثم يأمر الله المؤمنين بتصريف أمورهم وقضاياهم بالقسط مجانبين الميل والمحاباة مهما تكن الظروف وأن تكون شهاداتهم قائمة على الحق والقسطاس المستقيم حتى ولو كان ذلك على أنفسهم بالذات أو أقرب الأقربين إليهم من أبناء وآباء وغيرهم دون أن يأخذهم في ذلك إحساس عاطفي مؤثر تحت وطأة الشعور بالميل صوب الأرحام وأولي القربى أو الشعور بالحدب والإشفاق نحو الفقراء ، أو أن يكون ذلك تزلفا للأغنياء ومخاطبة لودّهم ورضاهم .
ثم تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن خبايا المنافقين وسوء مقاصدهم وهي تعرض في وضوح مكشوف لكذب المنافقين وخداعهم وسلوكم المتثاقل المصطنع وهم يقومون إلى الصلاة كسالى يراءون الناس . والمنافقون هم مجموعة من البشر الفاسد الذي يسير في الحياة خاوي الضمير ، بليد الحس ، لا يحفزه للخير أي حافز ولا يستشعر في نفسه إلا كل معاني الخسة والضعة والانحطاط . وهم بذلك أجدر أن يكونوا في الأذلين وأن يكونوا في الدرك الأسفل من النار .
وكذلك تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن طبيعة بني إسرائيل فيما فطروا عليه من الشح والضن بالخير وتطاولهم على أنبيائهم بكثرة الطلب والسؤال ثم بالأذى والقتل ، وافترائهم عل مريم العذراء البتول ليتقولوا عليها بالزور والبهتان . وفي هذا الصدد تركز الآيات الحكيمة عل نبذ الدعوى المفتراة بقل المسيح وصلبه ، وأن ذلك لم يكن إلا من قبيل التشبيه فقط .
ومما يجدر ذكره بعد ذلك كله أن نبين سبب تسمية هذه السورة بهذا الاسم ( النساء ) فنقول إن سورة النساء تحمل في اسمها مدلولا عظيما يشير إل الشأن الواضح الكبير الذي يرسيه الإسلام للمرأة باعتبارها شطر الإنسانية ونصفها المعتبر .
ومن خلال الآيات في هذه السورة يعطينا الإسلام حشدا كبيرا من الاهتمام والعناية بالمرأة في إحقاق حقوقها كاملة والتنذير بالعذاب الشديد لمن يعتدي من الأولياء أو الأزواج عل شيء من هذه الحقوق ، وليس في هذا التعدي إلا التجاوز لحدود الله والانتهاك لمحارمه فيما يورد المتجاوز المنتهك موارد الهاوية والسخط من الله .
والقران وهو يعرض لشأن المرأة في إفراز حقوقها وتفصيل واجباتها والتوصية بها والتخويف من النيل منها فإنه يحقق في أذهان الأفراد والأجيال وفي تصورهم فكرة سليمة كريمة عن المرأة كيما تكون عل مر الأجيال موضع إجلال وإكرام . وهي فكرة حقيقية تتأكد على الطبيعة وبالفعل عبر مراحل الحياة التي تمر بها المرأة بدءا بكونها وليدة صغيرة يوصي الإسلام بحسن استقبالها والاغتباط لمجيئها وعدم الامتعاض لدى التبشير بمقدمها ، ثم وهي زوجة يوجب الإسلام أن تتكرم وألا تمس بأذى أو مهانة أو اعتداء إلى درجة يوصم معها المعتدي المهين باللؤم ، وكذلك وهي أم فإنها تقفز إل غاية الإجلال والتقدير وإلى قمة الحظ المتميز الذي لا يبلغه أحد من البشر . هنالك تكون المرأة في أعل المعالي من الاحترام والإكرام وفي المستوى السامق المرموق الذي تحتله الأم لتكون مغمورة بفيض من الإخلاص والطاعة والتواضع تفرضه شريعة الإسلام على الأبناء للأمهات .
ولا نطن بعد هذا التصور أن ثمة عقيدة أو نظاما أو ملّة تضفي عل الأم من الإجلال ما يضفيه الإسلام . نتصور ذلك ونحن نمعن النظر والتفكير في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله فسأله النبي : ( ( هل امك حية ) ) قال نعم . فقال النبي : " الزم رجليها فثم الجنة " .
( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
الناس من النوس ومعناه الحركة والتذبذب{[683]} . وكأنما تتحقق الحركة بوجود البشر حيث التصرف والتعامل والتلاقي وفي أمور تتمثل في حركة دائمة الفعالية والنشاط . والتقوى من الفعل وقى . والاسم وقاية وهي الحماية{[684]} . وهي تعني أن يتخذ الناس من طاعة الله والامتثال لأمره سبيلا يكسبون بها مرضاة الله وستارا يحجب عنهم سخطه وعذابه ، وربكم من الرب ويعني المالك{[685]} . والله سبحانه يملك الحياة والأشياء والوجود كله .
وفي هذه الآية يخاطب الله الناس كافة ليتقوه فيأتمروا بأمره ويتجنبوا معاصيه ويقفوا عند حدوده ، فهو سبحانه صاحب الفضل والمنّة الذي خلقهم جميعا من أصل واحد وهو أبو البشر ادم عليه السلام ومن زوجة حوّاء التي خلقها الله من ادم نفسه على الطريقة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه . فإنه ليس في القران ما يكشف عن كيفية الخلق لحواء . وفي مسألة كهذه نؤثر أن نقف عند مفهوم النص القرآني دون استقصاء إلى ما قد يحمل عل التكلف أو يوقه في الزلل .
ولذلك فإن ادم وحواء هما أبوا البشر كافة وقد خلق الله عن طريقهما تفرعا وتسلسلا هذه الجموع البشرية المنبثة في بقاع الأرض والتي توجد عل هيئات شتى من الشعوب والقبائل والأجناس والأعراق ، سواء كان ذلك في الأمصار أو الأرياف أو البوادي أوفي البراري والصحاري وعبر البحار . كل أولئك رجالا ونساء هم من نسل دم ومعه زوجه حواء . وفي ذلك ما يكشف عن شان الله العظيم الذي يتجلى في مقدرته المطلقة بما يجعله سبحانه أهلا للمعبودية دون أحد من خلقه ، وليس ذلك إلا بتقدير الله وإرادته وحكمته ، فهو سبحانه القادر عل كل شيء والذي لا يعز عليه أن يخلق أو يصنع أي شيء .
وقوله : ( واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام ) . يأمر الله عباده في تأكيد مكرور بأن يتقوه فهو الذي يتساءلون به . أي الذي يحلّف به بعضهم لبعض وذلك أن يقول أحدهما للآخر سألتك بالله .
( والأرحام ) يحتمل إعرابها وجهين : أولهما : أنها منصوبة عل المفعولية لكونها معطوفة على لفظ الجلالة قبلها . وثانيهما : أنها مجرورة لكونها معطوفة عل الضمير المتصل في الكلمة " به " قبلها .
والراجح القول الأول وهو النصب . فيكون المعنى عل نحو السياق التالي : فاتقوا الله الذي تساءلون به واتقوا الأرحام ؛ لأن ذلك أبعد عن المحظور الذي يقع في الحلف أو التساؤل حلفا بغير الله . فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن النبي ( ص ) قال : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " .
وكذلك روى الشيخان عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا تحلفوا بآبائكم " .
قوله : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) .
ذلك تعقيب مناسب مؤثر يرد في هذا المجال ليؤثر في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيمانا ومن ثم يكونون دائمي الصلة بالله ومستشعرين لمخافته التي تمس قلوبهم بغير مبارحة .
وقوله : ( رقيبا ) بمعنى حافظ أي مراقب لسائر الأحوال والأعمال ، وعالم بالمقاصد والنوايا ، فهو سبحانه لا تخفى عليه الأسرار والخفايا .