ولما نهى عن القتل{[21259]} وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح ، ليصير الظاهر طاهراً{[21260]} عن المعاصي الوخيمة ؛ نهى عن التمني {[21261]}الذي هو{[21262]} مقدمة الأكل ، ليكون نهياً عن الأكل بطريق الأولى ، فإن التمني قد يكون حسداً ، وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية : وهو{[21263]} حرام والرضى بالحرام ، والتمني{[21264]} على{[21265]} هذا الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل ، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال : { ولا تتمنوا } أي تتابعوا أنفسكم في ذلك { ما فضل الله } أي الذي له العظمة كلها ، فلا ينقصه شيء { به } اي {[21266]}من المال{[21267]} وغيره { بعضكم عن بعض } أي في الإرث{[21268]} وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة{[21269]} بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية ، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور ، والشجاعة التي هي{[21270]} وسط بين التهور والجبن ، والسخاء الذي هو{[21271]} وسط بين الإسراف والبخل ، وكاستعمال هذه{[21272]} القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة ، أو{[21273]} الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة ، أو{[21274]} الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان ، والرئاسة التامة ونفاذ القول ، وكونه محبوباً للناس حسن الذكر فيهم ؛ فهذه مجامع السعادات ، وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها ، وبعضها كسبية ، ومتى{[21275]} تأمل العاقل في ذلك وجده{[21276]} محض عطاء من الله ، فمن شاهد غيره أرفع منه في{[21277]} شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له{[21278]} حالتان : إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له{[21279]} ، والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها ، وهذا هو الحسد المذموم ، لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة ، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر ، واستجلب ظلمات البدعة ، ومحا نور الإيمان ، فإن الله فعال لما يريد ، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه ، و{[21280]}كما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا ؛ فعلى{[21281]} كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ذلك{[21282]} مصلحة ، ولو كان غير ذلك فسد ، فإن ذلك كله قسمة من الله صادرة عن حكمه{[21283]} وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم .
وأما تمني المثل فإن كان دينياً{[21284]} كان حسناً{[21285]} ، كما قال صلى الله عليه وسلم " لا حسد إلا في اثنتين{[21286]} " وإن كان دنيوياً فمن الناس من جوز ذلك ، ومنهم من قال - وهم المحققون : لا يجوز ذلك ، لأن تلك{[21287]} النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في الدنيا كقصة{[21288]} قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي .
ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال في الطلب ، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من{[21289]} أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " وكما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم{[21290]} والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك{[21291]} ، واستعن بالله ولا تعجز{[21292]} ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان{[21293]} كذا وكذا . ولكن قل{[21294]} : قدر الله ، وما شاء فعل ، فإن{[21295]} لو تفتح عمل الشيطان " فقال مشيراً إلى أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل{[21296]} : { للرجال نصيب } أي قد فرغ من تقديره فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص ، وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب والعمل ، كما أشار إليه الحديث فقال{[21297]} : { مما اكتسبوا } أي كلفوا أنفسهم وأتعبوها{[21298]} في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن الميراث و{[21299]}السعي في المكاسب والأرباح " جعل رزقي تحت ظل رمحي{[21300]} " " لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصاً وتروح بطاناً " { وللنساء نصيب مما اكتسبن } {[21301]}أي وكذلك{[21302]} فالتمني حينئذ غير نافع{[21303]} ، فالاشتغال{[21304]} به مجرد عناء .
ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره ، لا بالكسب الذي جعله سبباً ، فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه{[21305]} ، فكان التقدير : فاكتسبوا ولا تعجزوا فتطلبوا{[21306]} بالتمني ؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل{[21307]} شيء - عليه إشارة إلى تحريك السبب مع الإجمال في الطلب فقال : { وسئلوا الله } أي {[21308]}الذي له جميع صفات الكمال .
ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال : { من فضله } أي من خزائنه التي{[21309]} لا تنفد ولا يقضيها{[21310]} شيء ، وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين{[21311]} ، لأنه ربما كان سبب الفساد ، بل يكون الطلب لما هو له{[21312]} صلاح ، وأحسن الدعاء المأثور ، وأحسنه
{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار{[21313]} }[ البقرة : 201 ] ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي بيده مقاليد كل شيء { كان بكل شيء عليماً * } أي فكان على كل شيء قديراً ، فإن كمال العلم يستلزم شمول القدرة - كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة طه ، والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما يصلحكم فاسألوه{[21314]} بعلمه وقدرته ما ينفعكم ، فإنه يعلم ما يصلح كل عبد وما يفسده .
قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ) .
التمني كما عرفه الرازي على أنه عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . وقال القرطبي : التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي . والتمني المتعلق بأمور الدنيا ومصالحها وحطامها مذموم لما في ذلك من إشغال للقلب وإرهاق للأعصاب ، ولما في ذلك من دوام المراودة للنفس كيما تظل مشهودة ولاهية عن غايات سامية عليا يصبو إليها المؤمن . ولا جرم أن تكون اهتمامات المؤمن سامية رفيعة لتعلو على الدنايا والخسائس ولتسمو على الأغراض الهزيلة التي تتهافت حولها نفوس الضعفاء والمبتذلين . إن الآية الكريمة تنهى عن الانشغال في التمني لما فضل الله به بعض الناس على بعض في الرزق وعطايا الدنيا ، فإن لكل حظه مما اكتسبه سواء كان ذكرا أم أنثى . وقد قيل إن هذه الآية نزلت في أم سلمة – رضي الله عنها- قالت : يغزوا الرجال ولا يغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث . وقيل غير ذلك . والآية تفيد بعمومها التحذير من مفسدة التلهي بتمني الخير والمال أو مختلف المكاسب . وليس من دافع لمثل هذا الشعور غير الحسد البغيض . ومن شأن المسلم في مثل هذا الأمر أن يكد ويسعى في الأرض بجد ونشاط مع دعوته لله بأن يهب له الرزق الحسن . والله سبحانه لهو أعلم حيث يقسم الرزق ، إنما يقسمه بقدر وقسطاس مستقيم . على أننا نضيف إلى ذلك أن المحظور في الآية والمنهي عنه هو الذي يكون مصحوبا بالحسد والبغض مع ما يرافق ذلك من تمن لزوال النعمة لدى الآخرين . أما إن كان التمني مجردا عن لوثة الحسد مع تمني الخير ودوام النعمة عند الآخرين فليس في ذلك من بأس ، وذلك ما ذهب إليه أكثر أهل العلم . ومن ناحية أخرى فإن التمني المتعلق بأمور الدين والآخرة مما لا علاقة له بشهوات النفس وزخارف الدنيا- فإنه حسن ومفضل ، وليس أدل على ذلك من قول النبي ( ص ) : " وددت أن أحيا ثم أقتل " فقد تمنى عليه الصلاة والسلام الشهادة وقد أعطيها بالفعل وذلك لما أثرت فيه لعقة السم في الشاة المسمومة حيث قال : " ما زالت أكلة خيبر تعاودني الآن أوان قطعت أبهري " . ومثل ذلك كثير .
قوله : ( واسألوا الله من فضله ) أي لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فإن التمني لا يجدي شيئا ، لكن اسألوا الله من فضله أي ادعوه واطلبوا منه الخير في غير ملل ولا كلل فإن الله جلت قدرته أكرم الكرماء وهو الرحيم الوهاب . وفي هذا روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ( ص ) قال : " سلوا لله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج " .
وقوله : ( إن الله كان بكل شيء عليما ) أي أن الله عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها ، ومن لا يستحق من الدنيا إلا القليل فيعطيه مثل ذلك القليل .
وبعبارة أخرى فإن الله عالم بما يكون صالحا للسائلين ، وعلى السائلين أن يجملوا في الطلب فإن كل شيء مقدور وعند الله مسطور{[738]} .