نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا} (33)

وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال : { ولكل } أي من القبيلتين صغاراً كانوا أو كباراً { جعلنا } بعظمتنا التي لا تضاهى { موالي } أي حكمنا بأنهم هم الأولياء ، أي الأنصار ، والأقرباء لأجل الإرث ، هم الذين يلون المال ويرثونه ، سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث{[21315]} ، أو{[21316]} عصبة عامة وهم المسلمون .

ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال : { مما } أي من أجل ما { ترك } أي خلفه { الوالدان } أي لكم ، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال{[21317]} : { والأقربون } أي إليكم ، ثم عطف{[21318]} على ذلك قوله : { والذين } أي وما ترك{[21319]} الذين { عقدت{[21320]} أيمانكم } أي مما تركه{[21321]} من تدلون إليه بنسب أو سبب بالحلف{[21322]} أو الولاء أو الصهر{[21323]} ، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع المصافحة بها ، ثم سبب عن ذلك قوله : { فآتوهم } أي الموالي وإن كانوا صغاراً أو{[21324]} إناثاً على ما بينت{[21325]} لكم في آية المواريث السابقة ، واتركوا كل ما خالف{[21326]} ذلك فقد نسخ بها { نصيبهم } أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافراً غير منقوص ، ولا تظنوا{[21327]} أن غيرهم أولى منهم أو مساوٍ لهم ، ثم رهب من المخالفة ، وأكد الأمر وعداً ووعيداً بقوله : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان على كل شيء شهيداً * } أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء ، لأنه لا يخفى عليه شيء ، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء ، فالمعنى{[21328]} : إنا{[21329]} لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة ، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم{[21330]} عن حقائق الأمور وغيبتها{[21331]} عنكم ، فإنا لم نخرج شيئاً منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة ، فالحاصل أنه لمن{[21332]} يحمي بالفعل ، أو بالقوة القريبة منه ، أو البعيدة الآئلة إلى القرب ، وأما التفضيل{[21333]} في الأنصباء فأمر استأثرنا{[21334]} بعلم مستحقيه ، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس : " موالي : ورثة والذين عاقدت أيمانكم{[21335]} كان{[21336]} المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري{[21337]} دون ذوي رحمه{[21338]} للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي{[21339]} } نسخت ، ثم قال : { والذي عاقدت أيمانكم{[21340]} } من النصر والرفادة{[21341]} والنصيحة{[21342]} ، وقد ذهب الميراث ، ويوصي له " .


[21315]:في مد: الوارث.
[21316]:في ظ "و".
[21317]:زيد من مد.
[21318]:زيد من ظ ومد.
[21319]:في مد: تركه.
[21320]:قرأ الكوفيون "عقدت" بغير ألف، والباقون "عاقدت" بالألف، وقرأ بالتشديد أيضا ـ راجع روح المعاني 2/83.
[21321]:في ظ ومد: ترك.
[21322]:من ظ ومد، وفي الأصل: والحلف.
[21323]:من مد، وفي الأصل وظ: الضمير.
[21324]:في ظ "و".
[21325]:من مد، وفي الأصل وظ: يثبت.
[21326]:من ظ وفي الأصل: حالف، وفي مد: جالف.
[21327]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تظلموا.
[21328]:سقط من ظ.
[21329]:من ظ ومد، وفي الأصل: إن.
[21330]:من مد، وفي الأصل وظ: ليغتكم ـ كذا.
[21331]:في ظ: عينها.
[21332]:في ظ: لم.
[21333]:من مد، وفي الأصل وظ: التفصيل.
[21334]:من ظ ومد، وفي الأصل: استأثرنا ـ كذا.
[21335]:زيد من صحيح البخاري.
[21336]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: فإن.
[21337]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: الأنصار.
[21338]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: رحمة.
[21339]:زيد من صحيح البخاري.
[21340]:زيد من صحيح البخاري.
[21341]:في ظ ومد: الزيادة ـ كذا.
[21342]:في ظ: النصحة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا} (33)

قوله تعالى : ( ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ) .

كان المسلمون يتوارثون في أول الإسلام بدافع من أخوة الدين حتى أنم لم يكونوا إذ ذاك ليعبأوا برابطة القربة فنزلت هذه الآية لتنسخ التوارث لأخوة الدين وتفرض أن يكون ذلك لأولي القربى . فالله يقول : ( ولكل جعلنا موالى ) أي ورثة يرثون ما يتركه الآباء والأقارب من أموال . أما الذين تحالفتم معهم بإيمان مغلظة على أن تورثوهم فليس لهم بعد الآن حظ في التوريث بل آتوهم نصيبهم من الوصية . وقيل : نصيبهم من النصيحة والإرشاد والنصرة . والله سبحانه يشهد على كل ما تقومون به من فعل أو قول فاحذروا مخالفة أمره والزموا حدوده وشرعه{[739]} .

قوله : ( والذين عقدت أيمانكم ) قرأها أكثرهم بالألف ، أي ( والذين عاقدت أيمانكم ) مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء ، وهو قوله : ( فآتوهم نصيبهم ) .

والمراد بالذين عاقدت أيمانكم موالي الموالاة . فقد كان الرجل يعاقد الرجل فيقول له : دمي دمك ، وهدمي هِدمك ، وثأري ثأرك ، وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضكم أولى ببعض ) على أنهم أمروا بالوفاء بالعهود والعقود والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا عليه مثل ذلك . وقد روى الإمام أحمد في ذلك عن جبير بن مطعم أن النبي ( ص ) قال : " لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " أما بعد ذلك فلا مساغ للتوارة بالحلف كما هو مذهب الحنفية خلافا للجمهور وفيهم الشافعية والحنابلة والمالكية إذ قالوا بعدم التوارث على أساس الحلف .

قوله : ( فآتوهم نصيبهم ) أي من النصرة والنصيحة والمعونة ، وليس المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث{[740]} .


[739]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 100 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 489.
[740]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 490 وتفسير الرازي جـ 10 ص 88 والكشاف جـ 1 ص 523.