نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية ، وختم بما ينهض الجبان{[22000]} ، ويقوي الجنان ، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان ؛ عجب من حال من توانى بعد ذلك واستكان ، فقال تعالى مقبلاً بالخطاب على {[22001]}أعبد خلقه{[22002]} وأطوعهم لأمره : { ألم تر } وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن{[22003]} حضرته تنهيضاً{[22004]} لهم بقوله : { إلى الذين قيل لهم } أي جواباً لقولهم : إنا نريد أن نبسط{[22005]} أيدينا إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا{[22006]} بهم قد طال { كفوا أيديكم } أي ولا تبسطوها إليهم{[22007]} فإنا لم نأمر بهذا { وأقيموا الصلاة } أي صلة بالخالق{[22008]} و{[22009]}استنصاراً{[22010]} على المشاقق{[22011]} { وأتوا الزكاة } منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق { فلما كتب عليهم القتال } أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح ، كتابة{[22012]} لا تنفك{[22013]} إلى آخر الدهر { إذا فريق منهم } أي ناس تلزم{[22014]} عن فعلهم الفرقة ، فأحبوا{[22015]} هذه الكتب بأنهم { يخشون الناس } أي الذين هم مثلهم ، أن يضروهم{[22016]} ، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجراً منهم وهم ناس مثلهم { كخشية الله } أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره .

ولما كان كفهم عن القتال شديداً يوجب لمن يراه منهم{[22017]} أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به في الموازنة بين{[22018]} خوفهم من الناس وخوفهم من الله ، عبر بأداة الشك فقال : { أو أشد خشية } أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم من الله ، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزماً بل إما مثله أو أشد منه ؛ وقد يكون الإبهام للتفاوت{[22019]} بالنسبة إلى وقتين ، فيكون خوفهم منه{[22020]} في وقت متساوياً ، وفي آخر أزيد{[22021]} ، فهو متردد بين هذين الحالين ؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما .

وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة : { وقالوا } جزعاً من الموت أو المتاعب{[22022]} - إن كانوا مؤمنين ، أو اعتراضاً - إن كانوا منافقين ، على تقدير صحة ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم { ربنا } أي أيها المحسن إلينا القريب منا { لم{[22023]} كتبت علينا القتال } أي ونحن الضعفاء{[22024]} { لولا } أي هلا{[22025]} { أخرتنا } أي عن الأمر بالقتال { إلى أجل قريب } أي لنأخذ راحة مما كنا فيه{[22026]} من الجهد من الكفار بمكة ، " وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص وجماعة رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيراً{[22027]} قبل أن يهاجروا ، ويقولون : يا رسول الله ! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا ، فيقول لهم{[22028]} رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم ، فإني لم أومر بقتالهم ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم " حكاه البغوي عن الكلبي ، وحكاه الواحدي عنه بنحوه ، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا رسول الله ! كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ، فقال : " إني أمرت بالعفو ، فلا تقاتلوا القوم " فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا ، فأنزل الله عز وجل { ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } " الآية . وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك ، فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم{[22029]} ، ليس غير .

ولما عجب{[22030]} عليه الصلاة والسلام منهم إنكاراً عليهم كان كأنه قال : فما أقول لهم ؟ أمره{[22031]} بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل{[22032]} أرائهم{[22033]} بقوله : { قل متاع الدنيا قليل } أي ولو فرض أنه مدّ في آجالكم إلى أن تملوا الحياة ، فإن كل منقطع قليل ، مع أن نعيمها غير محقق الحصول ، وإن حصل كان منغصاً بالكدورات { والآخرة خير لمن اتقى } أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه ، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق{[22034]} ، لأن عذابها طويل{[22035]} لا يزول { ولا تظلمون فتيلاً * } أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم ، ولا أرزاقكم باشتغالكم{[22036]} ، ولا في آخرتكم بأن يضيع{[22037]} شيء من ثوابكم على ما تنالونه{[22038]} من المشقة ، لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه{[22039]} ، ولا يفعل شيئاً إلا على قانون الحكمة ، فما لكم تقولون قول المتهم : لم فعلت ؟ [ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر ؟ قال تعالى عن ذلك بل هو مع أن سنته{[22040]} ] العدل وله أن يفعل ما{[22041]} شاء ، لا يسئل عما يفعل }[ الأنبياء : 23 ] يحسن{[22042]} ويعطي من تقبل{[22043]} إحسانه أتم الفضل .


[22000]:من مد، وفي الأصل: الحنان، وفي ظ: الجنان.
[22001]:من ظ ومد، وفي الأصل: عبد خليفة.
[22002]:من ظ ومد، وفي الأصل: عبد خليفة.
[22003]:سقط من ظ.
[22004]:من ظ ومد، وفي الأصل: سنيها ـ كذا.
[22005]:من ظ ومد، وفي الأصل: يبسط.
[22006]:في الأصول: امتحانا ـ كذا.
[22007]:زيد بعده الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[22008]:في ظ: للخالق.
[22009]:سقط من ظ.
[22010]:من مد، وفي الأصل وظ: استبصارا.
[22011]:في ظ: التشاقق.
[22012]:سقط من ظ.
[22013]:في ظ: لا نفعل.
[22014]:في ظ ومد: يلزم.
[22015]:في مد: فاحثوا.
[22016]:في مد: لا يضروهم، وفي ظ: لا يضرهم.
[22017]:من ظ، وفي الأصل ومد: منه.
[22018]:في ظ: تبين.
[22019]:من مد، وفي الأصل: بالتفاوت، وفي ظ: للتفاوت ـ كذا.
[22020]:في ظ: منهم.
[22021]:في ظ: أبد.
[22022]:في ظ: الباعث.
[22023]:تقدم في الأصل على "أي أيها".
[22024]:من ظ، وفي الأصل : الأضعفاء، وفي مد: ضعفاء.
[22025]:زيد من ظ ومد.
[22026]:في ظ: منه.
[22027]:في الأصول: كثير.
[22028]:زيد من ظ ومد.
[22029]:في ظ ومد: تهييجهم.
[22030]:في الأصل ومد: عجبه، وفي ظ: تمجتهه ـ كذا.
[22031]:من ظ ومد، وفي الأصل: فأمر.
[22032]:فيل رأيه: خطأه وقبحه، وفي الأصل: تصيل، وفي ظ: تفييل، وفي مد: تفييل ـ كذا.
[22033]:في ظ: إكرامهم.
[22034]:زيد بعده في ظ: عذابها.
[22035]:زيدت الواو بعده في ظ.
[22036]:من ظ ومد، وفي الأصل: بأشغالكم.
[22037]:في ظ: يطيع.
[22038]:من ظ ومد، وفي الأصل: تنالوه.
[22039]:في ظ: محله.
[22040]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[22041]:زيد في ظ: لا.
[22042]:من ظ ومد، وفي الأصل: بحسن.
[22043]:في ظ: يقبل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) .

ورد في سبب نزولها أن فريقا من المسلمين في مكة كانوا قد رجوا النبي ليأذن لهم بالجهاد فيردوا المشركين ويدفعوهم عن أنفسهم بعد ما لاقوا منهم أذى وعدوانا مع أن الجهاد حينئذ لم يكن مفروضا ؛ إذ كان المسلمون مأمورين بالصفح والصبر وفعل العبادات كالصلاة والزكاة وغيرها . فلما أن بات الجهاد فرضا على المسلمين من بعد الهجرة تخلف هؤلاء الذين كانوا يبدون في مكة حماسة ويطالبون بمحاربة مشركي مكة . لقد نكصوا على أعقابهم وانكشفوا عن خذلان وتخوّف حتى لجوا إلى النبي ( ص ) بالشكوى والاضطراب . على أن الذي يراود الذهن هنا أن هذه الفريق من الناس الذين كانوا يتمنون في مكة أن يؤذن لهم بالجهاد ورد المشركين لم يكونوا من المنافقين ولا المؤمنين حقا . أما أن يكونوا منافقين فلا يتصور ذلك ؛ إذ لا وجود للنفاق والمنافقين في تلك الفترة العصيبة التي لاقى فيها المسلمون العنت والعذاب ولا يكون النفاق إلا حيث الشوكة والمنعة للإسلام{[791]} .

وأما أن يكونوا من المؤمنين من أمثال عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له كما قيل فذلك مالا يتصور أيضا ولا يلج حيّز المعقول . إن المؤمنين المخلصين في مرتبة عبد الرحمن بن عوف لا يعقل أن يتمنوا الجهاد حتى إذا بات ذلك مفروضا كفوا وامتنعوا وأبدوا تخاذلا وجبنا ثم خشوا الناس أشد من خشيتهم لله !

إن الذي يمكن تصوره أن هؤلاء كانوا من ضعاف الإيمان الذين كانوا يغمرهم الخوف والتلجلج والذعر . فهم ليسوا من المسلمين الثابتين الأقوياء ، الذين لا تأخذهم في دين الله صيحة حرب ولا قتال للأعداء .

قوله : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال . . ) المقصود بواو الجماعة في قوله : ( وقالوا ) هم ضعاف الإيمان من المسلمين الذين خشوا لقاء العدوّ مثل خشيتهم لله أو أشد خشية فقد تمنّوا كذلك أن لو لم يكتب الله عليهم القتال . وقالوا : ( لولا أخرتنا ) لولا بمعنى هلا وهي أداة تحضيض . فهم يتمنون على الله أشد التمني أن لو أخر عنهم فريضة الجهاد إلى حين آخر . وذلك هو شأن الضعاف المهزومين الذين يرغبون في التسويف في مثل هذه الأمور أو الإبطاء فيها ليمتد بها الزمن فيطويها النسيان . لكن المؤمن المتقي يتورع عن التسويف في ما افترض الله عليه فلا يلبث أن يخف لطاعة الله أو يسارع للاعتصام بحبله المتين من غير مداهنة أو مصانعة أو تسويف .

قوله : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى . . . ) متاع مبتدأ ، وقليل خبره . وهنا يأمر الله نبيه ( ص ) أن يبسط للناس هوان الدنيا وبساطتها ، وأنها مجرد عرض زائل يستمتع به الناس إلى حين من الزمان يمر مرا سريعا لتنتهي بعدها السالفة إلى حيث المطاف الأخير الذي ينتظر كل كائن على وجه هذه الأرض . . الموت .

وما أعظم حديث النبي الكريم في هذا الصدد ؛ إذ يرسم صورة تكشف عن حقيقة الحياة الدنيا وأنها حطام مندثر يستمتع به البشر في غمرة اللهو والمرح إلى أجل محدود . يقول عليه الصلاة والسلام : " مالي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها " {[792]} .

وإذا ترسخ هذا الاعتبار في التصوّر أدركنا في يقين لا يخالطه شك أن الآخرة لهي خير وأفضل لما تتصف به من حسن وبقاء مستديم . وتلك حقيقة يؤمن بها المتّقون الذين يخشون الله ولا يخشون أحدا سواه والذين يزنون الأمور على الدوام بميزان الله ، فلا يجنحون إلى الدنيا بحطامها ومتاعها تحت مطارق الشهوات العاتية الحامية .

وفي اليوم الآخر تنكشف السرائر والخبايا لتقف البشرية حاسرة أمام الخالق القاهر الديان لتناقش الحساب ( ولا تظلمون فتيلا ) أي لا يكون هناك ظلم ولو بمقدار الفتيل وهو الخيط على لفافة التمرة التي تحيط بالنواة . أو ما يتحصل من أوساخ مفتولة تظهر على الكفين إذا تفاركا .


[791]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 111 وتفسير الطبري جـ 4 ص 108.
[792]:- أخرج مثله أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود.