نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا} (81)

ولما كان من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله ، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك ، لكونه لا يحيط بذلك علماً وإن اجتهد ؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكياً لبعض أقوالهم مبيناً لنفاقهم فيه وخداعهم { ويقولون } أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك { طاعة } أي كل{[22087]} طاعة منا لك دائماً ، نحن ثابتون على ذلك ، والتنكير للتعظيم بالتعميم{[22088]} { فإذا برزوا } أي خرجوا { من عندك بيَّت طائفة } هم في غاية التمرد { منهم } أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير{[22089]} مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلاً { غير الذي تقول } أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي بلغته لهم ، وأدغم أبو عمرو{[22090]} وحمزة{[22091]} التاء بعد تسكينها استثقالاً لتوالي الحركات{[22092]} في الطاء لقرب المخرجين ، والطاء تزيد بالإطباق ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ؛ وأظهر الباقون ، والإدغام أوفق لحالهم ، والإظهار أوفق{[22093]} لما{[22094]} فصح من محالهم .

ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال : { والله } أي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال { يكتب ما يبيتون } أي يجددون تبييته{[22095]} كلما فعلوه ، وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم{[22096]} إياه يوم يقوم الأشهاد ، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به عاداتهم ، أو يوحى به{[22097]} إليك فيفضحهم{[22098]} بكتابته وتلاوته{[22099]} مدى الدهر ، فلا يظنوا أن تبييتهم{[22100]} يغنيهم{[22101]} شيئاً .

ولما تسبب عن ذلك كفايته صلى الله عليه وسلم هذا المهم قال : { فأعرض عنهم } أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم { وتوكل } أي في شأنهم وغيره { على الله } أي الذي لا يخرج شيء عن مراده { وكفى بالله } أي المحيط علماً وقدرة { وكيلاً * } فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم .


[22087]:سقط من ظ.
[22088]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالعميم.
[22089]:في ظ: التحذير.
[22090]:من نثر المرجان 1/6229، وفي ظ: المومر، وفي مد: المومروا ـ كذا.
[22091]:من مد و نثر المرجان، وفي ظ: همزة ـ كذا بالهاء.
[22092]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22093]:في ظ: أظهر.
[22094]:زيد بعده في الأصل: صلح، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[22095]:في ظ: تبعيته، وفي مد: بتبعيته ـ كذا.
[22096]:في ظ: لقولهم.
[22097]:سقط من ظ.
[22098]:في ظ: ليفضحهم.
[22099]:من ظ ومد، وفي الأصل: تلاوة.
[22100]:في ظ: تبعيتهم.
[22101]:من مد، وفي الأصل: بيتهم . وفي ظ: بغيهم ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا} (81)

قوله : ( ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) المقصود بذلك هم المنافقون فقد كانوا- على عادتهم- يظهرون الموافقة لما يقوله النبي والإقرار لما يحكم به ويقضي في طاعة وانصياع حتى إذا خرجوا من عنده بدّلوا ما كانوا أظهروه أمام المسلمين والنبي واستسرّوا فيما بينهم شيئا آخر خلاف ما أظهروه . وقوله : ( طاعة ) خبر لمبتدأ مرفوع تقديره ( أمرنا ) وفي قراءة أخرى النصب على أنه مفعول مطلق{[794]} .

قوله : ( والله يكتب ما يبيتون ) يأمر الله ملائكته الحفظة أن يكتبوا ما استسرّه هؤلاء المنافقون في بهيمة الليل المعتم . وفي ذلك لفت للأذهان بأن الله مطّلع على ما يستسرّ في النوايا والمقاصد وأنه سبحانه يستوي أمامه المعلوم والمجهول أو الظاهر والمستور ، وهو سبحانه يعلم كل ما يستكن في أرجاء الكون وأطرافه وجوانبه . وهو سبحانه عليم بكل مكنون ولو لم يكن ثمة ملائكة كتبة حفظة يسجلون ما يجري لكنه جل وعلا إنما يتعبد خلائقه من الملائكة إذ يضطلعون بوظيفة الكتابة والرقابة .

قوله : ( فأعرض عنهم . . ) يخاطب الله نبيّه أن يعرض عن هؤلاء المبيتين المفسدين ويصفح عنهم ولا يعاقبهم ماداموا يستسرّون كيدهم ليظل حبيس نفوسهم وطواياهم من غير إظهار . وكذلك فإن على النبي ( ص ) أن يتوكل على الله بالاعتماد عليه والركون إليه سبحانه فإنه جلّت قدرته خير ملاذ للثاوين والحائرين والمستضعفين ، وكفى به وليا ونصيرا للمنيبين إليه المتوكلين عليه .


[794]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 262.