نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا} (85)

ولما كان ذلك موجباً للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في الجهاد ، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة ، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين ، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة{[22166]} عليهم ، والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم ، وكان بين كثير{[22167]} من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم ، الحاملة للشفاعة فيهم ، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول{[22168]} من الأعذار الكاذبة ، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم ، أو في إعانتهم أو{[22169]} إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه{[22170]} العجز - وفي غير ذلك ، وكانت التوبة معروضة{[22171]} لهم ولغيرهم ، وكان البر ما سكن إليه{[22172]} القلب ، والإثم ما حاك في الصدر ، والإنسان على نفسه بصيرة ، وكانت{[22173]} البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ، وكان الإنسان ربما أظهر{[22174]} شراً{[22175]} في صورة{[22176]} خير ؛ رغب سبحانه وتعالى في البر ، وحذر{[22177]} من الإثم بقوله - معمماً مستأنفاً في جواب من كأنه قال : أما تقبل فيهم شفاعة - : { من يشفع } أي يوجد ويجدد{[22178]} ، كائناً من كان ، في أي وقت كان { شفاعة حسنة } أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز{[22179]} في الدين ليوصل إليه خيراً ، أو{[22180]} يدفع عنه ضيراً{[22181]} { يكن له نصيب منها } بأجر تسببه في الخير { ومن يشفع } كائناً من كان ، في أي زمان كان { شفاعة سيئة } أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز ، والتسبب في إعلائه وجبر{[22182]} دائه ؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء{[22183]} المفاسد أولى من جلب المصلح ، فقال - معبراً بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظاً في الزجر{[22184]} - : { يكن له كفل منها } وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم ، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم .

ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي " من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " حَسُنَ{[22185]} اقترانهما جداً ، والنصيب قدر متميز{[22186]} من الشيء{[22187]} يخص من هو له ، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب ، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف ، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد ؛ قال أهل اللغة : النصيب : الحظ ، والكفر - بالكسر{[22188]} : الضعف والنصيب والحظ ، ومادة " نصب{[22189]} " يدور على العلم المنصوب ، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز{[22190]} والأصل والمرجع والتعب ، فيلزمه الوجع ، ومن لوازمه أيضاً الحد والغاية والجد{[22191]} الوقوف ؛ ومادة " كفل " تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه ، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر ؛ وقال الإمام : الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله

فبشرهم بعذاب أليم }[ آل عمران : 21 والتوبة : 34 والانشقاق : 24 ] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية{[22192]} إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب{[22193]} عند الله سبحانه وتعالى - انتهى . وما غلظ هذا{[22194]} الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل .

ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم{[22195]} بالحقية{[22196]} ، ليكون{[22197]} ذلك زاجراً عن مقارفة{[22198]} شيء منها وإن صغر ؛ عبر {[22199]}في الحسنة{[22200]} بالنصيب ، و{[22201]}في السيئة بالكفل{[22202]} ؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى ، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع{[22203]} رسول من عند الله ، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب ؛ عبر بالكفل فقال تعالى :

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته{[22204]} }[ الحديد : 28 ] إلى آخرها .

ولما كان النصيب مبهماً{[22205]} بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة{[22206]} إلى قصور الشافعين ، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علماً وقدرة ؛ قال تعالى مرغباً و{[22207]}مرهباً : { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام{[22208]} { على كل شيء } من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة { مقيتاً * } أي حفيظاً وشهيداً وقديراً على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات ، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد{[22209]} من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر .


[22166]:في ظ: الغلظ.
[22167]:في ظ: بكثير.
[22168]:سقط من ظ ومد.
[22169]:زيد من ظ ومد.
[22170]:من مد، وفي الأصل وظ: عند.
[22171]:في ظ: مفروضة.
[22172]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22173]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22174]:سقط من ظ.
[22175]:في ظ: سرا.
[22176]:من ظ ومد، وفي الأصل: سورة.
[22177]:من ظ ومد، وفي الأصل: حذرا.
[22178]:من ظ ، وفي الأصل: يجد، وفي مد: تحد ـ كذا.
[22179]:في ظ: تجوز.
[22180]:في ظ "و".
[22181]:في ظ: ضير.
[22182]:في ظ: حنو، وفي مد: حبر ـ كذا.
[22183]:من ظ ومد، وفي الأصل: وزر ـ كذا.
[22184]:في ظ: الزبر ـ كذا.
[22185]:من ظ ومد، وفي الأصل: حسنة.
[22186]:في ظ: مميز.
[22187]:زيد بعده في ظ: ممن هو له.
[22188]:في ظ: والكسر.
[22189]:في ظ: نصيب.
[22190]:من ظ ومد، وفي الأصل: التميز.
[22191]:في الأصول: الحد، ومبنى التصحيح ما ورد في القاموس: نصبه الهم: أتبعه، والرجل: جد.
[22192]:من ظ ومد، وفي الأصل: المودى.
[22193]:من ظ ومد، وفي الأصل: لعقاب.
[22194]:من ظ ومد، وفي الأصل: بهذا.
[22195]:زيد من ظ.
[22196]:في ظ: بالفوز ـ كذا.
[22197]:في ظ: ليلا يكون.
[22198]:من ظ ومد، وفي الأصل: مفارقة.
[22199]:في ظ: بالحسنة.
[22200]:في ظ: بالحسنة.
[22201]:سقطت الواو من ظ.
[22202]:في الأصول: بالكفيل.
[22203]:في ظ: تشريع.
[22204]:سورة 57 آية 28.
[22205]:في ظ: منهما.
[22206]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد، غير أن "إلى" ليس في ظ.
[22207]:سقطت الواو من ظ ومد.
[22208]:في مد: الجمال.
[22209]:في ظ: واحد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا} (85)

قوله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) .

الشفاعة في اللغة من الشفع وهو العدد الزوجي خلافا للفرد أو الوتر وفي الآية : ( والشفع والوتر ) ومنه الشفيع سميّ بذلك ؛ لأنه في ضمه إلى صاحب الحاجة يصير شفعا أي زوجا . وبعبارة أخرى فإن الشفع معناه : ضم ذات إلى ذات أخرى . وعلى ذلك فإن الشفاعة تعني أن ينضم واحد بجاهه واعتباره إلى آخر لما في ذلك من إظهار لمنزلة الشفيع بقصد إيصال المنفعة إلى المشفوع له{[798]} .

واختلف أهل التأويل في حقيقة المقصود من هذه الآية على جملة أقوال . ويمكن استخلاص الصحيح منها لنعلم أنها تتعلق بشفاعات الناس في حوائجه فيما بينهم . فمن سعى سعيا ترتب عليه وصول خير أو منفعة للآخرين كأن يكون ذلك تحصيلا لمنفعة أو تحقيقا لمصلحة أو إظهارا لحق مضيّع أو دفعا لضرر ، فإن في ذلك أجرا ومثوبة للساعي الشفيع . يقول النبي ( ص ) : " اشفعوا تؤجروا " رواه مسلم .

أما الذي يشفع في السيئة بأن يسخّر جاهه ومكانته في إلحاق الأذى والظلم بالآخرين فإنه له في ذلك كفل من الوزر أو الإثم . والكفل معناه النصيب ويستوي فيه أن يتضمّن الأجر أو يتضمّن الوزر . وفي هذه الآية تشجيع على فعل الخير وبث أسباب العون والمساعدة لكل محتاج أو ملهوف ، وفيها كذلك تنديد بالشفاعة السيئة التي يعتمد بموجبها الآثمون إلى إخفاء الحق لكي يظهر الباطل بما في ذلك من وجوه الإضرار والشرور والموبقات التي تلحق بالناس ظلما وعدوانا . وذلك نتيجة للوساطات الفاسدة التي ينبري من خلالها الشفعاء لإخفاء الحق وإظهار الباطل فيحيق الظلم بالمستحقين ويتطاول المبطلون المعتسفون فيسلبون حقوق الآخرين ظلما وعدوانا .

قوله : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) المقيت معناه الحفيظ الشهيد وقيل : المقتدر وهو مشتق من القوت ؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها .


[798]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 47.