نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} (146)

ولما كان قوله { طاعم } نكرة في سياق النفي ، يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم ، وكان سبحانه قد حرم على اليهود{[31545]} أشياء غير ما تقدم ، اقتضت إحاطة العلم أن قال مبيناً لإحاطة علمه وتكذيباً لليهود{[31546]} في قولهم : لم يحرم الله علينا شيئاً ، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه : { وعلى الذين هادوا } أي اليهود { حرمنا } بما لنا من العظمة التي لا تدافع { كل ذي ظفر } أي على ما هو كالإصبع للآدمي من{[31547]} الإبل و{[31548]} السباع والطيور التي تتقوى بأظفارها { ومن البقر والغنم } أي التي هي ذوات الأظلاف { حرمنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم شحومهما } أي الصنفين ؛ ثم استثنى فقال : { إلا ما حملت ظهورهما } أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما{[31549]} { أو الحوايا } وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية ، جمع حوية فوزنها فعائل{[31550]} كسفينة وسفائن ، وقيل : جمع حاوية أو حاوياء{[31551]} كقاصعاء { أو ما اختلط } أي من{[31552]} الشحوم { بعظم } مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم ، وهذا السياق بتقدم{[31553]} الجار وبناء الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم .

ولما كان كأنه قيل : لم حرم عليهم هذه الطيبات ؟ قيل : { ذلك } أي التحريم العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات{[31554]} { جزيناهم } أي بما لنا من العظمة { ببغيهم } أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود ، و{[31555]} في إيلاء هذه الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان : أحدهما بيان اطلاعه صلى الله عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحداً من أتباعهم ولا دارس عالماً ولا درس علماً قط ، فلا دليل على صدقه على الله أعظم{[31556]} من ذلك ، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم ، وأزال عنها في تلك الحالة{[31557]} ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم ، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه{[31558]} في قوله

{ غير محلي الصيد وأنتم حرم }[ المائدة : 1 ] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبق لمتعنت كلام ، فحسن جداً ختم ذلك بقوله { وإنا لصادقون * } أي ثابت صدقنا أزلاً وأبداً كما اقتضاه ما لنا من العظمة ،


[31545]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31546]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31547]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31548]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31549]:زيد من ظ.
[31550]:سقط منى ظ.
[31551]:من ظ، وفي الأصل: عاريا- كذا.
[31552]:زيد من ظ.
[31553]:في ظ: بتقديم.
[31554]:زيد من ظ.
[31555]:زيد من ظ.
[31556]:من ظ، وفي الأصل: لم يعظم- كذا.
[31557]:سقط من ظ.
[31558]:من ظ، وفي الأصل: إليه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} (146)

قوله تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون ( 146 ) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة وسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } المراد بالذين هادوا اليهود أو الهود . وقيل : اليهودي نسبة إلى يهودا بن يعقوب عليه السلام . وهوده أي حوله إلى ملة يهود . والهوادة اللين{[1305]} فقد حرم الله على اليهود { كل ذي ظفر } أي ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير مثل الإبل والأنعام والأوز . قال ابن عباس : المراد البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب مما حرمه الله على اليهود دون غيرهم من الأولين والآخرين عقابا لهم ؟

قوله : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا } حرم الله خاصة شحوم البقر والغنم دون لحومها فهي مباحة لهم . واستثنى من هذه الشحوم المحرمة ما بينته الآية { إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم } فكل شحم سوى ما استثناه الله من البقر والغنم في هذه الآية فإنه كان محرما عليهم . وفي الحديث فيما رواه البخاري ومسلم " قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها{[1306]} ثم باعوها وأكلوا أثمانها " والمراد بما حملته ظهورها ما علق بالظهر من الشحم فهو مستثنى من التحريم . والحوايا جمع ومفرده حاوية وحوية وحاوياء وهي ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار وهي المباعر وفيها الأمعاء . والحوايا معطوف على الظهور . فيكون معنى الكلام : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما ما حملت ظهورها أو ما حملت الحوايا . فما حملته الحوايا من الشحم غير حرام ، أما الحوايا نفسها فهي مما أحل لهم .

قوله : { أو ما اختلط بعظم } ما في محل نصب معطوف على { ما حملت } والمعنى : حرمنا على اليهود شحوم البقر والغنم سوى ما حملت ظهورها أو ما حملت حواياها أو ما اختلط بعظم فهو لهم حلال . والمراد بما اختلط بعظم شحم الألية والجنب والرأس وما أشبه مما كان من شحم على عظم .

قوله : { ذلك جزينهم ببغيهم } ذلك ، في موضع نصب مفعول به ثان لقوله : { جزينهم } وتقديره : جزيناهم ذلك ببغيهم{[1307]} . والبغي معناه الظلم والتعدي والمجاوزة{[1308]} والمعنى : أن هذا الذي حرمناه على اليهود من الأنعام والطير ذوات الأظافر غير المشقوقة ، وما حرمناه عليهم كذلك من شحوم البقر والغنم – كان عقابا لهم من الله في مقابل معاصيهم وبغيهم على ربهم . والبغي معناه الظلم والتعدي والمجاوزة{[1309]} فقد اعتدوا على حدود الله وعصوه عصيانا نكرا وقارفوا من الموبقات والخطايا أشنعها كقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله واستحلالهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من وجوه الظلم والاعتداء على الناس وعلى أولياء الله من المؤمنين الصادقين .

قوله : { وإنما لصدقون } أي فيما أخبرناكم به عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من لحوم الأنعام والطير والشحوم .


[1305]:- القاموس المحيط ج 1 ص 362 والمصباح المنير ج 2 ص 316.
[1306]:- جملوها: يعني جمعوها وأذابوها. من الجميل وهو الشحم المذاب. انظر القاموس المحيط ج 3 ص 362 ومختار الصحاح 111.
[1307]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 348.
[1308]:- المصباح المنير ج 2 ص 64 ومختار الصحاح ص 59.
[1309]:- المصباح المنير ج 2 ص 64 ومختار الصحاح ص 59.