ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما أتاهم بالتكذيب والإقبال على ما لم يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة ، والأمر بالمنكر من الشرك وما يلزم منه{[34402]} من مساوي الأخلاق ، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من محاسن الشرع ، وذلك هو الجهل ، وختم ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له الدين بالكتاب ، والدنيا بالحفظ من كل ما ينتاب{[34403]} ، وكان حالهم ربما كان موئساً من فلاحهم ، مفتراً عن دعائهم إلى صلاحهم{[34404]} ، كان الداعي لهم صلى الله عليه وسلم كأنه قال : فما أصنع في أمرهم ؟ فأجابه بالتحذير من مثل حالهم والأمر بضد قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق بهم فقال : { خذ العفو } أي ما أتاك من الله والناس بلا جهد ومشقة ، وهذه المادة تدور على السهولة ، وتارة تكون من الكثرة وتارة من القلة ، فعفا المال ، أي كثر ، فصار يسهل إخراجه ويسمح به لزيادته عن{[34405]} الحاجة ، وعفا المنزل ، أي درس ، فسهل أمره حتى صار لا يلتفت إليه .
ولما أمره بذلك في نفسه ، أمره به{[34406]} في غيره فقال : ؛ { وأمر بالعرف } أي بكل ما عرفه الشرع وأجازه ، فإنه من العفو سهولة وشرفاً ، {[34407]}وقد تضمن ذلك النهي عن المنكر فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة ؛ ولما أمره بالفعل{[34408]} في نفسه وغيره ، أتبعه الترك فقال : { وأعرض عن الجاهلين{[34409]}* } أي فلان تكافئهم بخفتهم وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره ، وذلك بعد فضيحتهم بالدعاء ، وذلك{[34410]} - لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه الخصال ، وفيه إشارة إلى النهي عن أن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في الشفقة عليهم ، وعن جعفر الصادق أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها .
قوله تعالى : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهات 199 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم 200 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشطان تذكروا فإذا هم مبصرون 201 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } .
العفو : المساهلة أو التساهل فيما بينه وبينهم وقبول اليسير منهم وهو الذي يسهل عليهم وأن يترك الاستقصاء عليهم في ذلك . والمعنى : خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم . وعفو المال ما يفضل عن النفقة{[1606]} . والمراد هنا العفو في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى وللناس ، وفي معنى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد : ( رحم الله سهل القضاء ، سهل الاقتضاء ) ولا ينافي ذلك أن يكون لصاحب الحق والديون وغيرها من الحقوق استيفاء ما له حق وملازمة الغرماء حتى الاستيفاء ؛ لأن ذلك مندوب إليه دون أن يكون وجبا . وقد يكون العفو هنا في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة والإساءة . قال عبد الله بن الزبير وجمهور المفسرين في تأويل الآية : اقبل من الناس في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم بما أتى عفوا دون تكلف ولا تحرج . والعفو ضد الجهد ؛ أي لا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله : ( يسروا ولا تعسروا ) وقيل : سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عم قوله : { خذ العفو } فاخبره عن الله أنه يأمرك ( أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ) . قال ابن عباس وغيره : إن هذه الآية في الأموال قبل فرض الزكاة ؛ إذ أمر أن يأخذ ما سهل من أموال الناس ؛ أي ما فضل وزاد ، ثم فرضت الزكاة فنسخت هذه .
وقيل : الآية في مداراة الكفار وعدم مؤاخذتهم ثم نسخ ذلك بالقتال . والراجح القول الأول ، وهو أن الله أمر بمكارم الأخلاق ، وأن ذلك حكم مستمر في الناس وليس بمنسوخ .
أما العرف فهو المعروف ؛ أي الجميل من الأفعال والأقوال . قال عنه الطوسي : هو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء .
قوله : { وأعرض عن الجاهلين } أي إذا أقمت الحجة على المشركين وقد أمرتهم بالمعروف فلم يقبلوا ، أعرض عنهم ولا تمارهم بعد ذلك أيما مراء ، ولا تسافههم في مقابلة ما يصدر عنهم من المرء والسفاهة . وقيل : إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه ، كقوله في الآية : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } وهو سلام المتاركة ؛ أي الترك ومجانبة السفه والسفهاء .
قال جعفر الصادق : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . وفي هذا الصدد أخرج الترمذي عن عائشة ( رضي الله عنها ) قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفشحا ، ولا سخابا{[1607]} في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ؛ لكن يعفو ويصفح ) .
وفي الخبر عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق ، وإتمام محاسن الأفعال ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.