ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها ، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على أوصافهم فقال : { التآئبون } مبتدئاً أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل الصالح ، ثم ابتدأ المؤسس{[37250]} بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من العلم وغيره فقال : { العابدون } أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله ؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان ، أتبع ذلك الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال : { الحامدون } أي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيماً ، تطابقت عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره ؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب ، تلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي{[37251]} منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات فقال : { السائحون } ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان ، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف . وكان{[37252]} أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود ، وكان جميع أشكال الصلاة موافقاً للعادة{[37253]} إلا الركوع والسجود ، أشار إليها بقوله مخصصاً لها بالذكر تنبيهاً على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع : { الراكعون } فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن{[37254]} صلاة غيرهم لا ركوع فيها ، وأتمها بقوله : { الساجدون } ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس ، أتبع ذلك قوله : { الآمرون بالمعروف } أي السنة .
ولما كان الدين متيناً فلن يشاده أحد إلا غلبه ، كان المراد من المأمورات مسماها دون تمامها ومنتهاها " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " والمراد من المنهيات تركها كلها ، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى{ والصلاة الوسطى }{[37255]}[ البقرة : 238 ] وفي آل عمران عند قوله{ الصابرين والصادقين }{[37256]}[ آل عمران : 17 ] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا{[37257]} أتبعت بعض الصفات بعضاً من غير عطف علم أنها غير تامة ، فإذا عطفتها أردت التمكن{[37258]} فيها والعراقة والتمام ، فأعلم سبحانه أن المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها ، فأتى بها اتباعاً دون عطف لذلك ، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع{[37259]} منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه ، فيجب التجرد التام فيه{[37260]} لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير{[37261]} للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة ، فربما كان عنه ضرب وقتل ، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال : { والناهون } أي بغاية الجد { عن المنكر } أي البدعة .
ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه قوله : { والحافظون } أي بغاية العزم{[37262]} والقوة { لحدود الله } أي الملك الأعظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئاً منها ، فختم بما به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة ، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره ، والثاني للتجرد عن قيود{[37263]} العادات إلى قضاء العبادات ، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر . والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن ، والخامس والسادس للجمع بين كمال الباطن والظاهر ، والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير ، والثامن للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود . فمقصود الآية العروج من الحضيض الجسماني إلى الشرف الروحاني ؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق بهذه الأوصاف عاطفاً لأمره به على محذوف تقديره - والله أعلم : فأنذر من تخلى منها بكل ما يسوءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم ، أي هؤلاء الموصوفين ، هكذا كان الأصل الإضمار ، ولكنه أظهر ختاماً بما به{[37264]} بدأ وتعليقاً بالوصف وتعميماً فقال : { وبشر المؤمنين* } أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة ، وفي{[37265]} ختم الآيتين بالبشارة تارة من الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين ، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد ، وفي ابتداء الآيتين بالوصف المشعر بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يجلس{[37266]} عليها طفيلي ، وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم .
قوله تعالى : { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } { التائبون } ، مبتدأ ، وخبره { العابدون } وما بعده أوصاف أو أخبار متعددة .
وقيل : إن الخبر قوله : { الأمرون } وقيل : الخبر محذوف . والتقدير : التائبون الموصوفون بهذه الصفات من أهل الجنة . وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة مما قبلها ؛ فهي ليست شرطا في المجاهدة . وأما ما زعم أنها شرط في المجاهدة فيكون إعراب التائبين خير مبتدأ محذوف ؛ أي هم التائبون ؛ فتكون هذه الأوصاف عند هؤلاء من صفات المؤمنين في قوله تعالى : { اشترى من المؤمنين } {[1910]} ، وقد ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين وفيهم ابن عباس ؛ إذ قال : الشهيد من كان فيه هذه الخصال التسع وتلا هذه الآية . وبذلك فإن هذه أوصاف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم ؛ فهم بذلك المجاهدون على النحو الأتم والمطلوب . لكن لا يخفى ما في هذا التأويل من حرج ؛ فإنه بناء عليه لا يفوز بالجنة من المجاهدين إلا القلة ممن اتصف بهذه الأوصاف . ولسوف يخرج إذن من هذه الحظوة المباركة كثير من المجاهدين الذين استشهدوا في سبيل الله ولم يتصفوا بهذه الصفات .
وعلى هذا فالراجح من إعراب { التائبون } أنها مبتدأ ، والخبر محذوف تقديره : من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا . وذلك قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } فإن كلا ، يفيد العموم . والحسنى بمعنى الجنة . وعلى هذا يكون معنى الآية منفصلا من معنى الآية التي سبقتها . ويؤيد ذلك ما صح من حديث مسلم أن ( من قتل في سبيل الله وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر ؛ كفرت خطاياه إلا الدين ) وذلك ظاهر في أن المجاهد لا يشترط كونه متصفا بجميع الصفات التي في الآية . بل هي تبشير لمطلق المجاهدين . وهو المفهوم من ظواهر الأخبار التي تدل على أن الفضل الوارد في حق المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا .
أما { التائبون } ، فالمراد بهم الذين تابوا عن الشرك والنفاق . أو عن الشرك وسائر المعاصي والذنوب وهو الأصوب ؛ لأن كلمة التائبين من ألفاظ العموم فهي تتناوب كل تائب .
وأما { العابدون } فقيل : هم الذين يعبدون الله بالصلاة وهو قول ابن عباس ، وفي رواية عنه أخرى أنهم المطيعون بالعبادة . وقيل : هم الذين يعبدون الله في السراء والضراء .
وأما { الحامدون } من الحمد ، وهو الثناء ، أو الوصف بالجميل : فالحامدون الذين يحمدون الله على كل حال ، وقيل : هم الذين يشكرون الله على أنعمه . على أن الحمد أولى من الشكر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أول ما يدعي إلى الجنة الحامدون الذين يحمدون على السراء والضراء ) . وعن السيدة عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال : ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : ( الحمد لله على كل حال ) .
وأما { السائحون } فهم الصائمون ، وهو قول كثير من جلة الصحابة والتابعين ، وقد روي عن عائشة قولها : سياحة هذه الأمة الصيام . وذلك من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما تمنع السياحة منها في الغالب . وقيل : المراد بهم المسافرون لطلب العلم . وقيل : هم الذين يجولون بأفكارهم وعقولهم في ملكوت الله وفي خلقه .
أما { الراكعون الساجدون } فالمراد بهم المصلون . فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي ، وهما أعظم الأركان في الصلاة .
وأما { الأمرون بالمعروف } فهم الذين يدعون الناس إلى الإيمان وعمل الطاعات ، وهم { الناهون عن المنكر } ينهون الناس عن الشرك بالله على اختلاف صوره وضروبه ، ويدعونه إلى مجانبة عصيان الله ومخالفة أوامره .
قوله : { والحافظون لحدود الله } أي المطيعون لله فيرعون ما بينه الله من أحكام وشرائع فيلتزمون ما ينبغي فعله وما يجب تركه . وقيل : المراد بحفظ الحدود وإقامة الحدود من العقوبات وإيقاع القصاص على المستحقين لذلك .
قوله : { وبشر المؤمنين } وهم الموصوفون بتلك الصفات العظيمة يبشرهم ربهم بأنهم مستحقون درجة الإيمان الكامل حيث السعادة التامة والفوز كل الفوز{[1911]} .
قوله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم 113 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي وآخرون عن ابن المسيب عن أبيه قال : لما خضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جعل وعبد الله بن أبي أمية فقال : ( أي عم ، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل ) فقال أبو جعل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } قال : ونزلت فيه { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } {[1912]} . ويستفاد من ذلك : أمه ما ينبغي للمسلم أن يستغفر لكافر من الكافرين أو يدعو له بالتوبة والغفران ، سواء كان من الأصدقاء أو الأقرباء أو الأباعد ، ما دام قد مات على الشرك . وذلك تقرير رباني ثابت لا رجاء فيه بالمغفرة للمشركين الذين ماتوا وهم كافرون . أولئك لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم كل خلائق الأرض والسماء . وفي ذلك قوله سبحانه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء } .