ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد{[37341]} فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي ، وجعلهم في حيزهم تشريفاً لهم وتأنيساً لئلا يشتد إنكارهم{[37342]} ، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليماً{[37343]} للأدب وجبراً للخواطر المنكسرة{[37344]} : { {[37345]}وعلى{[37346]} } أي ولقد تاب الله على { الثلاثة الذين }{[37347]} .
ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف ، بني للمفعول قوله : { خلفوا } أي خلفهم{[37348]} رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم ، وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم { حتى إذا ضاقت } أشار إلى عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم الأرض } أي كلها { بما رحبت } أي مع شدة اتساعها ، أي ضاق عليهم فسيحها وواسعها{[37349]} .
ولما كان هذا قد يراد به{[37350]} الحقيقة ، وكان ضيق المحل قد{[37351]} لا يستلزم ضيق الصدر ، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال : { وضاقت عليهم } بالهم المزعج والغم المقلق { أنفسهم } أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام ؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة ، أتبعه -بيانا للتخلق بها- قوله : { وظنوا } أي أيقنوا ، ولعله عبر بالظن إيذانا بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال ، فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن ، أو يقال - وهو حسن - : إن التعبير به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد أن يُقدر الله حق قدره - كما قال أصدق الخلق صلى الله عليه وسلم " لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله{[37352]} { أن لا ملجأ } أي مهرب ومفزع { من الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { إلا إليه } أي بما يرضيه ، وهو مثل لتحيرهم في أمرهم ، وجواب { إذا } محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره{[37353]} : تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب .
ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيماً بمجرد المخالفة ثم{[37354]} يترك المواساة ثم بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة ، أعلم سبحانه أنه رقاهم{[37355]} في رتب الكمال بأن جعل ذلك سبباً لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأدران المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه " أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك " ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيراً إلى ما{[37356]} بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد : { ثم تاب عليهم } أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو{[37357]} لعلوه بالنسبة إلى ما دونه ، توبة { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بأخلاق السابقين ، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء ، ويمكن أن يكون التعبير –ب { ثم } إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف ، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا ، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا{[37358]} لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام ، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم ، ومن هذا البارق - حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيباً فقال معبراً بما{[37359]} يشير مع أعلى مقامهم إلى{[37360]} نزوله عن{[37361]} مقام من قبلهم : { إن الله } أي الذي له الكمال كله { هو } أي وحده { التواب } أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه { الرحيم* } أي المكرم لمن أراد من عباده بأن{[37362]} يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ ، ويبالغ في الإنعام عليه .
قوله تعالى : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم 118 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } .
الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك هم : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ؛ فقد خلفوا عن ركب المجاهدين بقتادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قصد تبوك لقتال الروم . ولم يكن تخلف هؤلاء الثلاثة عن عجز او افتقار أو مرض ؛ بل كانوا أقوياء أصحاء ، ولم يثنهم عن المضي للجهاد في تبوك إلا ما أصابهم من نوبة الضعف وفتور العزيمة وفتور العزيمة في هذه المناسبة العظيمة التي اشتد فيها سعير الحر اللاهب . واستعر فيها هجير المفاوز والفيافي من أيام الصيف الحرور ، واستقبل فيها الناس عدوا كبيرا مدججا بالعدة والسلاح مما لم يشهدوا له من قبل نظيرا ، وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغزوة حين طابت الثمار وحان جنيها وقطافها ؛ كل ذلك قد حمل فريقا من الناس على التثاقل ، فانثنوا عن الذهاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان في المتخلفين منافقون لا يترددون في الهروب والتخلص من فريضة الجهاد بكل أسلوب من أساليب الكذب والمراوغة والنفاق . ومن جملة الذين تخلفوا ، هؤلاء الثلاثة الذين لم يساور قلوبهم شك في دين الله ولا في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقعدهم عن ذلك إلا ما طرأ لهم في هذه الفترة العصيبة العسيرة من نوبة الضعف العارض .
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك طفق المتخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى . أما الثلاثة –وكانوا من المؤمنين الصالحين- فقد وجدوا في أنفسهم أشد موجدة وأصابهم من فرط الكآبة الممضة ما بات يقض مضاجعهم قضا ويؤز قلوبهم وأعصابهم وأزا طيلة خمسين يوما . وفي ذلك يقول كعب بن مالك : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنا فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهم يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ؛ فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد . حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائك أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام . قال : ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي الشام قد دفع إلي كتابا من ملك غسان وفيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان . ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت حين قرأته : وهذا أيضا من الابتلاء . قال : فتيممت به التنور فسجرته به فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كرمنا . قال : ثم صليت الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا . فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا على بجل سلع يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك . قال : فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر . وأنزل الله تعالى الآية . ومنها قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } { وعلى الثلاثة } ، معطوف على { النبي } أي وتاب على الثلاثة { الذين خلفوا } أي تخلفوا عن غزوة تبوك { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي باتت الأرض برحبها وسعتها ضيقة في نظرهم وتصورهم فسدت عليهم المسالك والطرق فلا يعتدون سبيلا ، ولا يدرون ما يصنعون . وذلك لإعراض الناس عنهم وهجرهم لهم خمسين ليلة بأيامها { وضاقت علليهم أنفسهم } وذلك كناية عن تراكم الهم والحزن على قلوبهم فلا تحتمل غير الكآبة والاغتمام . فكان ضيقهم بذلك على نحوين ، وهما ضيق المحل وضيق النفس والحال .
قوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } أي علموا وأيقنوا أنه ليس لهم من سبيل ولا ملجأ يأوون إليه من سخط الله إلا أن يثوبوا إليه وحده ، فيبرءوا له بالتوبة والاستغفار وهو سبحانه خير ملاذ للمكروبين والمغلوبين والتائبين .
إن الله جلت قدرته خير من تجأر إليه قلوب الداعين والمستغفرين والتائبين الخزانى عسى أن يتوب عليهم ويفيض على قلوبهم بخواطر الرضى والبهجة والانشراح .
قوله : { ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } أي قبل توبتهم من تخلفهم عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى حالهم الأول من مخالطة المؤمنين فتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم مع الساكنين والمطمئنين ، أو ليتوبوا مم يفرط منهم في المستقبل من خطايا وذنوب . فإن الله تعالى قابل التوب عن عباده المؤمنين ولو عادوا إلى الذنب في اليوم مائة مرة . فذلك هو شأن الله في عظيم توبته ولطفه بالعباد وفي مبلغ رحمته بهم . رحمته الواسعة المديدة التي لا تعرف الحدود .