نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا} (12)

ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام ، وقدمه لأنه أعم نفعاً بما فيه من الشمول ، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال : { بل } أي ليس تخلفكم لما{[60265]} أخبرتم به من الاشتغال بالأهل{[60266]} والأموال { ظننتم } وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ، ليس لكم نفوذ إلى البواطن ، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال : { أن لن ينقلب } ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير ، قال مشيراً إلى أن-{[60267]} من أرسل رسولاً إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزاً عما يريد : { الرسول } وعظم التابعين فقال : { والمؤمنون } معبراً{[60268]} بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ{[60269]} وأفهم تأكيد{[60270]} ذلك عندهم بقوله تعالى{[60271]} : { إلى أهليهم أبداً } أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على{[60272]} أن قلتم : ما هم في قريش إلا أكلة رأس .

ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب ، قال مشيراً بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في الحقيقة : { وزين ذلك } أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا { في قلوبكم } حتى أحببتموه .

ولما علم أن ذلك سوء ، صرح{[60273]} به على وجه يعم غيره فقال : { وظننتم } أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه { ظن السوء } أي الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به . ولما-{[60274]} انكشف جميع أمره كشف أثره فقال : { وكنتم } أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة { قوماً } أي مع قوتكم على ما تحاولونه { بوراً * } أي في غاية الهلاك والكساد والفساد ، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد ، {[60275]}فلا انفكاك لهم عنه ، وهذا{[60276]} كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير ، وثبتوا فلم يرتدوا .


[60265]:من ظ ومد، وفي الأصل: بما.
[60266]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالأهوال.
[60267]:زيد من مد.
[60268]:من ظ ومد، وفي الأصل: فعبر.
[60269]:من مد، وفي الأصل و ظ: للرسول.
[60270]:من مد، وفي الأصل و ظ: تأكد.
[60271]:زيد من مد.
[60272]:في ظ: إلى.
[60273]:في الأصل و ظ بياض ملأناه من مد.
[60274]:زيد من ظ ومد.
[60275]:تكرر في الأصل قبل "وعدم الخير".
[60276]:تكرر في الأصل قبل "وعدم الخير".