أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا} (36)

شرح الكلمات :

{ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة } : أي لا ينبغي ولا يصلح لمؤمن ولا مؤمنة .

{ أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } : أي حق الاختيار فيما حكم الله ورسوله فيه بالجواز أو المنع .

{ فقد ضل ضلالاً مبيناً } : أي أخطأ طريق النجاة والفلاح خطأً واضحاً .

المعنى :

قوله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } الآيات هذا شروع في قصة زواج زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بنت عمة النبي أميمة بنت عبد المطلب إنه لما أبطل الله التبني وحرمه بقوله : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } وقوله : { ادعوهم لآبائهم } تبع ذلك أن لا يرث المدعى ممن ادعاه ، وأن لا تحرم مطلقته على من تبنَّاه وادعاه وهكذا بطلت الأحكام التي كانت لازمة للتَّبنِّي ، وكون هذا نزل به القرآن ليس من السهل على النفوس التي اعتادت هذه الأحكام في الجاهلية وصدر الإِسلام أن تتقبلها وتذعن لها بسهولة فأراد الله تعالى أن يخرج ذلك لحيز الوجود فألهم رسوله أن يخطب زينب لمولاه زيد ، واستجابت زينب للخطبة فهماً منها أنها مخطوبة لرسول الله لتكون أُماً للمؤمنين ولمن تبين لها بعد ليال أنها مخطوبة لزيد بن حارثة مولى رسول الله وليست كما فهمت وهنا أخذتها الحمية وقالت لن يكون هذا لن تتزوَّج شريفة مولى من موالى الناس ونصرها أخوها على ذلك وهو عبد الله بن جحش .

فنزلت هذه الآية وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الآية فما كان منها إلا أن قبلت عن رضى الزواج من زيد وتزوجها زيد وبحكم الطباع البشرية فإن زينب لم تخف شرفها على زيد وأصبحت تترفع عليه الأمر الذي شعر معه زيد بعدم الفائدة من هذا الزواج فأخذ يستشير رسول الله مولاه ويستأذنه في طلاقها والرسول يأبى عليه ذلك علماً منه أنه إذا طلقها سيزوجه الله بها إنهاءً لقضية جعل أحكام الدَّعي كأحكام الولد من الصُّلب فكان يقول له : اتق الله يا زيد لا تطلق بغير ضرورة ولا حاجة إلى الطلاق واصبر على ما تجده من امرأتك ، وهنا عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربُّه عز وجل إذ قال له : { وإذ تقول } .

الهداية :

من الهداية :

- بيان أن المؤمن الحق لا خيرة عنده في أمر قضى فيه الله ورسوله بالجواز أو المنع .

- بيان أن من يعص الله ورسوله يخرج عن طريق الهداية إلى طريق الضلالة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا} (36)

قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا } .

روي في سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش – وكانت بنت عمته – فظنت أنه خطبها لنفسه . فلما تبين أنه يريدها لزيد ، أبت وامتنعت . فنزلت الآية فأذعنت زينب حينئذ ورضيت أن تتزوج من زيد .

وتقضي الآية بأنه ليس لمؤمن بالله ورسوله ، أو مؤمنة إذا حكم رسول الله في أنفسهم بحكم أن يختاروا غير ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعصوه ويخالفوا أمره . فإن عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم عصيان لله سبحانه . فقد أمر الله عباده المؤمنين بطاعة رسوله الأمين { من يطع الرسول فقد أطاع الله } {[3745]} .

قوله : { أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } { الْخِيَرَةُ } ، مصدر بمعنى الاختيار أي ليس لهم أن يختاروا خلاف ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن الآية عامة في كل الأمور ؛ فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فليس لأحد من بعده أن يخالفه فيما أمر أو يختار غير ما قضى به .

فما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا محالة ملزم إلزاما ؛ لأنه وحي من الوحي . وفي ذلك يقول سبحانه : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } وبذلك لا يتحقق لأحد إيمان حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأمور والقضايا . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .

قوله : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا } ذلك تحذير مَخوف من الله ، يتهدد به الذين يخالفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر ويعرضون عما جاءهم به من عند الله فيرتضون بغيره من الشرائع بديلا فأولئك قد أوغلوا في الضلال والزيغ عن الحق .


[3745]:تفسير ابن كثير ج 3 ص 490 فتح القدير ج 3 ص 282.