أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (135)

شرح الكلمات :

{ قوامين } : جمع قوام : وهو كثير القيام بالعدل .

{ بالقسط } : بالعدل وهو الاستقامة والتسوية بين الخصوم .

{ شهداء } : جمع شهيد : بمعنى شاهد .

{ الهوى } : ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه .

{ تلووا } : أي ألسنتكم باللفظ تحريفاً له حتى لا تتم الشهادة على وجهها .

{ تعرضوا } : تتركوا الشهادة أو بعض كلماتها ليبطل الحكم .

المعنى :

قوله تعالى في هذه الآية ( 135 ) { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } أي بالعدل { شهداء لله } إذْ بشهادتكم ينتقل الحق من شخص إلى آخر حيث أقامكم الله ربكم شهداء له في الأرض تؤدى بواسطتكم الحقوق إلى أهلها ، وَبناء على هذا فأقيموا الشهادة لله ولو شهادتكم على أنفسكم أو والديكم أو أقرب الناس إليكم وسواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا يحملنكم غنى الغنى ولا فقر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها ، فالله تعالى ربهما أولى بهما وهو يعطي ويمنع بشهادتكم فأقيموها وحسبكم ذلك واعلموا أنكم إن تلووا ألسنتكم بالشهادة تحريفاً لها وخروجاً بها عن أداء ما يترتب عليها أو تعرضوا عنها فتتركوها أو تتركوا بعض كلماتها فيفسد معناها ويبطل مفعولها فإن الله بعملكم ذلك وبغيره خبير وسوف يجزيكم به فيعاقبكم في الدنيا أو في الآخرة ألا فاحذروا .

هذه الآية الكريمة يدخل فيها دخولاً أولياً من شهدوا لأبناء أبيرق بالإِسلام والصلح كما هي خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة وهي أعظم آية في هذا الباب فليتق الله المؤمنون في شهادتهم .

الهداية

من الهداية :

- وجوب العدل في القضاء والشهادة .

- حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (135)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) . هذا أمر من أوامر الله للمؤمنين بأن يلتزموا بالعدل في القضاء أو الحكم أو الشهادة ، فإن عليهم أن يعدلوا مهما تكن الظروف وكائنا من كان المشهود عليه . وقوله : ( قوامين ) خبر منصوب مفردها قوّام ، وهو مبالغة من حيث الصيغة . والقوّام الذي يكون كثير القيام . واشتراط القيام المطلوب أن يكون بالقسط من غير التفات لأي اعتبار من الاعتبارات . وقوله : ( شهداء ) منصوب على أنه صفة القوامين . وقيل منصوب على الحال والأول أقوى .

وقوله : ( شهداء لله ) أي أن تأتي الشهادة بالقسط من أجل مرضاة الله وفي سبيله . والعدل أصل ركين أكبر من الأصول التي دعا إليها الإسلام . وهو أصل قامت عليه السماوات والأرض ، وبالتالي قامت الحياة وما في وسطها من خلائق وكائنات . ذلك كله قد جاء بالحق والعدل ، فضلا عن حكمة الله البالغة المقدورة فيما أراد وفيما قدّر وخلق .

وقوله : ( ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) حقيقة الشهادة بالقسط توجب ألا يتزحزح الشاهد عن كلمة الحق قيد أنملة فلا يحرّف ولا يبدّل ولا يكتم ، فإن كان كذلك كان عن المقسطين ، على ألا يجنح في الشهادة للسقوط في الهوى تحت ضاغط مؤثر من عاطفة الأنانية للذات أو الوالديّة التي تشد المرء نحو أبيه شدا ، أو القرابة التي تثير في نفس الشاهد فيضا من الإشفاق والحياء . ولقد ذكرت الآية أصنافا ثلاثة من الناس هم أدنى الخلق إلى الشاهد ، وقد جاء ذكرهم بالتحديد ؛ لأنهم مظنّة التهمة بما يثير الشك أو الريبة لدى النطق بالشهادة في أي ظرف من الظروف .

وقوله : ( ولو على أنفسكم ) ينبغي للشاهد لدى النطق بالشهادة أن يقول الحق حتى وإن كان في ذلك ما يجعله مدينا فعلا . وذلك شرف له أمام الخالق إذ يكتبه من الصادقين الثابتين الذين ينطقون بالحق . وكفى بمثل هذا المرء أن يبوء بالفضل من الله والمثوبة وليكن بعد ذلك ما يكون مما يتصوره البشر عسيرا لا يطاق .

وقوله : ( أو الوالدين والأقربين ) ( أو ) أداة عطف وما بعدها معطوف على أنفسكم . وذكر الوالدين فيه تأكيد مشدّد على إرساء حقيقة العدل في الذهن أولا ثم في ساحة الواقع الذي تتزاحم فيه القضايا والمشكلات وتكتظ فيه الخصومات والنزاعات بلا انقطاع . وهناك تستبين عزائم المؤمنين الثابتين الذين لا يخشون في الله لوم لائم ، والذين يقولون الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين وتستبين كذلك عزائم الضعاف والخائرين الذين تتهاوى فيهم الهمم والإرادات ليلوذوا بالمداهنة أو المصانعة تحت مطرقة الهوى الجارف الذي تلين أمامه أعصاب الكثيرين وهم تغشاهم غاشية من عاطفة حرّى أو حياء شديد .

قوله : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) اسم كان محذوف وتقديره المشهود عليه . فلا ينبغي أن تتأثر الشهادة بحال المشهود عليه سواء كان غنيا أو فقيرا . فإن كان غنيا روعي لغناه رهبة أو قلقا ، وإن كان فقيرا روعي لفقره عطفا وحدبا . فإن الشهادة لا تتقوّم على شيء من مثل هذه الاعتبارات وإنما تتقوّم على أساس موضوعي بحت لا تراعى فيه حالات الغنى والفقر أو الحسب والنسب أو الصهرية أو بقية الروابط القائمة على الشهوة والهوى . ينبغي أن تقوم الشهادة بقسط لا يعرف الميل أو الزيغ فإن كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فإن الله جل وعلا لهو أولى بكل واحد منهما ، ولن يكون الشاهد أكثر عطفا أو حدبا عليه من الله ، فالله وحده هو الذي يتولّى مثل هؤلاء وما على الشهداء إلا أن يؤدّوا الشهادة على وجهها الصحيح .

وقوله : ( أن تعدلوا ) أي لئلا تعدلوا . وذلك متعلق بما قبله ، فالله يحذّر من اتّباع الهوى ، الذي يضيع معه العدل أو أنه إذا اتّبع الهوى رفع العدل .

قوله : ( وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) قوله : ( تلوا ) من الليّ وأصله اللّوي ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ليا . واللّي هو الميل والتحريف في الشهادة عن وجهها الصحيح ، وذلك من الزور ومعناه الانحراف عن الحق والميل في الشهادة إلى الباطل . وذلك من أكبر الكبائر التي ندد بها الإسلام وحذّر من بشاعتها وفظاعتها التي يتجرجر بها الشاهد المفتري في جهنّم جزاء ما اقترف من كذب وتزييف . أما الإعراض عن الشهادة فهو كتمانها ورفض الإدلاء بها وهو حرام لقوله تعالى : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) . وفي ذلك دلالة على وجوب أداء الشهادة عند لزومها أو عند حصول ما يدعو إليها ، فإن مجرد إخفائها وتركها طيّ الكتم في الصدر غير جائز .

وقد حذّر الله المخالفين الذين يتبعون الهوى فيلوون في الشهادة أو يعرضون عنها بقوله : ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) فهو سبحانه عالم بما تنطوي عليه القلوب من شهادات مكتومة حبيسة أو بما اجترحته نفوس الكاذبين من ازورار وتحريف في الشهادة . الله جل جلاله مطلع على هؤلاء الزائغين فمجازيهم الجزاء المفروض .