أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

شرح الكلمات :

{ لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } : أي إيماناً صحيحاً يرضاه الله تعالى لموافقة الحق والواقع .

{ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } : أي كالخمر والربا وسائر المحرمات .

{ ولا يدينون دين الحق } : أي الإِسلام إذ هو الدين الذي لا يقبل ديناً سواه .

{ من الذين أوتوا الكتاب } : أي اليهود والنصارى .

{ الجزية } : أي الخراج المعلوم الذي يدفعه الذمي كل سنة .

{ عن يد وهم صاغرون } : أي يقدمونه بأيديهم لا ينيبون فيه غيرهم ، وهم صاغرون : أي أذلاء منقادون لحكم الإِسلام هذا .

المعنى الكريمة الكريمة :

لما أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك ويوحدوا ويعبدوا الله تعالى بما شرع أمر رسوله في هذه الآية والمؤمنين بقتال أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، وجعل إعطاء الجزية غايةً لنهاية القتال ، لا الإِسلام لأن الإِسلام يعرض أولاً على أهل الكتاب فإن قبلوه فذاك وإن رفضوه يطلب الدخول في ذمة المسلمين وحمايتهم تحت شعار الجزية وهي رمز دال على قبولهم حماية المسلمين وحكمهم بشرع الله تعالى فإذا أعطوها حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم ، وأمنوا في حياتهم المادية والروحية ، هذا ما تضمنته الآية الكريمة : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وإن قيل اليهود في إيمانهم بالله مشبهة مجسمة يصفون الله تعالى بصفات تعالى الله عنها علواً كبيراً ، والنصارى يعتقدون أن الله حلّ في المسيح ، وإن الله ثالث ثلاثة والله ليس كذلك فهم إذاً لا يؤمنون بالله تعالى كما هو الله الإِله الحق ، فلذا إيمانهم باطل وليس بإيمان يضاف إلى ذلك أنهم لو آمنوا بالله لآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولو آمنوا باليوم الآخر لأطاعوا الله ورسوله لينجوا من عذاب اليوم الآخر وليسعدوا فيه بدخول الجنة فلما لم يؤمنوا ولم يعملوا كانوا حقاً كافرين غير مؤمنين ، وصدق الله العظيم حيث نفى عنهم الإِيمان به وباليوم الآخر ، والله أعلم بخلقه من أنفسهم .

الهداية الكريمة

من الهداية الكريمة :

1- وجوب قتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يدخلوا في حكم الإِسلام وذلك من أجل إعدادهم للإِسلام ليكملوا عليه ويسعدوا به .

2- الإِيمان غير الصحيح لا يعتبر إيماناً منجياً ولا مسعداً .

3- استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح .

4- مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب وهي مقدّرة في كتب الفقه مبينة وهي بحسب غنى المرء وفقره وسعته وضيقه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .

بعد استقرار الحال في جزيرة العرب ودخول المشركين في دين الله أفواجا مسلمين ، أمر الله في هذه الآية بقتال أهل الكتاب . بذلك أمر الله في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعداد لقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذلك في سنة تسع . ومن أجل ذلك تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم في تبوك . وقد اجتمع له من المقاتلة نحو ثلاثين ألفان ويستدل من هذه الآية أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب فقط أو من أشبههم المجوس ؛ فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . وبذلك لا تؤخذ الجزية من غير أهل الكتاب كالمشركين والوثنين ، وهذا مذهب الشافعية والحنبلية ، أما الحنفية الجزية عندهم من جميع الأعاجم سواء فيهم أهل الكتاب أو المشركين ، لكنها لا تؤاخذ من العرب من غير أهل الكتاب ولا من المرتدين ؛ لأن كفر هؤلاء قد تغلظ ؛ فمشركو العرب قد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقهم أظهر . أما المرتد : فلأنه كفر بربه بعد أن هدى للإسلام ووقف على روائعه وكماله ، فلا يقبل من الفريقين سوى الإسلام أو القتال زيادة في العقوبة .

أما الإمام مالك فقال بجواز أخذ الجزية من جميع الكفار ، من أهل الكتاب والمجوس والوثنين{[1749]} .

قوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } نفي الله بالإيمان بالله عن أهل الكتاب ؛ لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله ؛ إذ يصفون الله بما لا يليق أن يوصف به ؛ فقد جعلوا له والدا ؛ كيهود جعلت عزيزا ابن الله ، والنصارى جعلوا المسيح ابن الله وقالوا بالأقانيم الثلاثة ، إلى غير ذلك من المقولات المفتراة الظالمة فصارت بذلك عقائدهم مجرد تخيلات موهومة وتصورات مظنونة لا تطوي على غير التخريص الفاضح والضلال الشاطح دون استناد إلى ذرة من دليل سليم . من أجل ذلك نفي الله عنهم الإيمان به . وفوق ذلك فإنهم كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحسبهم ذلك ضلالة وكفرنا ، مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .

وكذلك فإن إيمانهم بالآخرة مريب ومصطنع ؛ فقد أنقل عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني ، فكأنهم يعتقدون البعث الروحاني . ومثل هذا التصور لا يستحق مجرد التسمية بالإيمان ؛ لأن ما يتقولونه ويهرفون به ليس إلا ضربا من التصور المريض الواهم ، أو الحلم المطوح في الخيالات من عالم اللاشعور . وليس ذلك من الإيمان في شيء .

قوله : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يتبعوا دينه ولا شريعته ففيهما ما احل الله ورسوله أو حرم . وقيل : المراد بالرسول رسولهم الذي يزعمون أنهم يتبعونه ؛ فإنهم بدلوا شريعته ، واحلوا ما حرم الله عليهم وحرموا ما احل الله لهم . وكل ذلك من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم ؛ فهم بذلك لم يتبعوا شريعة الإسلام القائمة على الكتاب والسنة ، ولم يتبعوا شريعتهم المنزلة على رسلهم ؛ فهم بذلك غير مؤمنين إيمانا صحيحا لا بشريعتنا ولا بشريعتهم الخالصة المبرأة من التزييف والتحريف ، فما يزعمون لأنفسهم من إيمانا بما ليس له وزن أو اعتبار لما بيناه ؛ فوجب بذلك قتالهم .

قوله : { ولا يدينون دين الحق } أي الدين الثابت الكامل ، الدين الحقيق الصحيح الذي تصلح عليه البشرية طيلة الدهر ، الدين الذي تجتمع فيه مزايا الصلوح للحياة في كل مكان وزمان ؛ وذلكم هو الإسلام دون غيره من الأديان والملل والشرائع . لكن أهل الكتاب إنما يدينون ما تسوله لهم أهواؤهم وغرائزهم وشهواتهم ومنافعهن الدنيوية ؛ فهم بذلك دينا سماويا حقيقا سليما من التلاعب والتبديل ، وما يزعمونه أنهم أهل كتاب ليس إلا التوهيم المكشوف الذي لا يخفى على أحد ، وهو ليس إلا التحذلق المصطنع الذي لا يغني من الحق شيئا . لا جرم أن اليهود والنصارى أبعد الناس كافة عن حقيقة التوراة العظيمة ذات التشريع الرباني النافع ، وعن حقيقة الإنجيل الرفاف الساطع الذي ينهي أشد النهي عن الفساد والشر والعدوان وظلم الإنسان لأخليه الإنسان . وما نجده أو نسمعه أو نقرأه من أخبار مذهلة عن فظائع اقترافها اليهود والنصارى في حق البشرية والمسلمين خصوصا يبرأ منها كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح . وهي فظائع شنيعة تجعل من انتساب هؤلاء الظالمين للتوراة والإنجيل شيئا مستهجنا ، مثيرا للسخرية والاشمئزاز . إن هذه الفظائع تطبع هؤلاء الجناة بطابع الوحوش الكواسر في الغابات ، لا جرم أن دين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مبرآن من أفاعيل هؤلاء الطغاة الذين نكلوا بالشعوب المسلمة تنكيلا ، والذين أذاقوا المسلمين وغيرهم عبر زمان طويل أعتى النوازل والويلات ، وما زالوا على هذه الحال من تقتيل للمسلمين وترويعهم في كل بقاع الدنيا .

قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } والجزية ، من الجزاء وهي للإجزاء عن حقن دم الذمي . والجزية اسم مفرد وجمعه جزي مثل : لحية ولحي{[1750]} . أما الجزية في اصطلاح الشرعي : فهي المال الذي يؤخذ بعقد من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام آمنين ، وذلك على سبيل الإسهام في بناء الدولة التي ينعمون بالأمن والخير في ظلها{[1751]} .

ممن تقبل الجزية

اجمع المسلمون على قبول الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بدينهم كالسامرة الذين يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى . وكذلك النصارى وفرقهم من اليعقوبية والنسطورية وغيرهم ممن دان بالإنجيل .

أما الصابئة : فملتهم وعقيدتهم موضع خلاف ؛ فقد قيل : إنهم جنس من النصارى . وقيل : إنهم من اليهود ؛ لأنهم يسبتون ، وقيل غير ذلك .

أما الذين لهم شبهة كتاب : فهم المجوس ؛ فإنه يروي أنه كان لهم كتاب قديم فصار لهم بذلك شبهة وجب بها أن تحقن دماؤهم ، وأن تؤخذ منهم الجزية لكنهم لا تنكح نساؤهم ولا تحل ذبائحهم . وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء{[1752]} .

المشركون من غير أهل الكتاب

والمراد بهم الكافرون من غير اليهود والنصارى والمجوس ؛ أي بعدة الأوثان الذين ليس لهم كتاب منزل كعبدة الناس والشمس والقمر والكواكب والتماثيل والأحجار وغير ذلك من أشكال الأوثان . ويحلق بهم الدهريون والماديون والملحدون الذين يجحدون النبوة والأديان والرسالات جميعا ؛ فهؤلاء من حيث وجوب الجزية في حقهم موضع خلاف . وثمة أقوال في ذلك :

القول الأول : وهو أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم ، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب ؛ لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ بين أظهرهم ، وقد أنزل القرآن بلغتهم ، فالمعجزة في حقهم أظهر ؛ فلا يقبل منهم غير الإسلام أو قتالهم . وهو قول الحنفية .

القول الثاني : وهو أن الجزية مال يضربه الإمام على كل كافر سواء كتابيا أو مشركا أو غيرهما ولو كان قرشيا . وهو قول المالكية{[1753]} .

القول الثالث : وهو قول الشافعية والحنبلية وأهل الظاهر ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى أنه لا يقر عبدة الأوثان والملائكة والشمس والقمر والنجوم ونظائرهم ؛ فلا تؤخذ منهم الجزية ، ولا يقبل منهم غير الإسلام أو القتال . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وذلك عام وقد خص منه أهل الكتاب . وكذلك خص فيه المجوس بالخبر : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) {[1754]} .

أركان الجزية

ثمة أركان خمسة للجزية هي :

الركن الأول : الصيغة . وهي الإيجاب والقبول ، فالإيجاب من الإمام أو نائبه ؛ فهو الموجب ؛ إذ يقول لهم : أقررتكم ، أو أقركم . ثم القبول من الطرف الآخر وهو المؤدي للجزية ، فيقول : قبلت أو رضيت بذلك .

الركن الثاني : العاقد ، وهو الإمام أو نائبه ، ولا يصح عقد الجزية من غيرهما .

الركن الثالث : المعقود له ، وله شروط هي :

أولا : العقل ؛ فلا تجب الجزية على المجنون ذي الجنون المطبق ؛ لعدم تكليفه .

ثانيا : البلوغ ؛ فلا تجب الجزية على الصبي لعدم تكليفه .

ثالثا : الحرية ؛ فلا تجب على العبد ؛ لأنه مملوك لصاحبه ؛ فهو غير مكلف .

رابعا : الذكورة ؛ فلا تجب الجزية على النساء ؛ لأنهن لسن من أهل القتال .

خامسا : أن يكون المعقود له كتابيا وهم النصارى واليهود . وكذلك المجوس لما فيهم من شبهة كتاب .

الركن الرابع : المكان القابل للتقرير ، وهو سائر بلاد الإسلام باستثناء الحجاز{[1755]} .

على أن الجزية لا تؤخذ من كل من الزمن وهو الذي أصابته هاعة أو آفة ولا يرجي برؤه منها ولا يقدر على القتال .

ثم الأعمى ؛ لأنه ليس من أهل القتال ؛ لعدم قدرته على ذلك ؛ فهو في ذلك كالصبيان والنساء . وهو قول أكثر أهل العلم .

وكذلك الشيخ الهرم ؛ وهو الكبير الفاني ؛ فغنه غير مطالب بالجزية في قول أكثر العلماء ، وهو قول الحنفية والمالكية والحنبلية ، والشافعية في أحد القولين لهم . وعلى هذا لا تجب الجزية على كل من الزمن والأعمى والشيخ الكبير الفاني . وهم في ذلك كالنساء والصبيان ؛ لعجزهم عن القتال .

وكذلك الفقير غير المعتمر ؛ فإنه غير مطالب بأداء الجزية ، وهو قول أكثر العلماء . ووجه ذلك : أن الفقير العاجز غير مكلف ؛ لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } واحتجوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن محمد بن عبد الله الثقفي قال : وضع عمر بن الخطاب –يعني الجزية- على رؤوس الرجال ، على الغني ثمانية وأربعين درهما ، وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما ، وعلى الفيقر اثني عشر درهما . وقالوا المراد بالفقير هنا غير المعتل .

وكذلك الرهبان من النصارى ، ومصدره الرهبة والرهبانية ، وتعني التعبد بما فيه الاختصاء واعتناق السلاسل وليس المسوح ونحو ذلك{[1756]} ؛ فإن هؤلاء على العموم لا تجب في حقهم الجزية ، وهو قول الحنفية والمالكية ، خلافا للشافعية وأهل الظاهر{[1757]} .

قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } { حتى } ، للغاية التي تمتد إليها العقوبة ، وهذه ترتفع بالبدل وهي الجزية . و { عن يد } ، يراد بها يد المعطي ؛ وهي أن تكون مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبي وامتنع لم يعط يده ، وذلك بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك يقال : أعطى يده إذا انقاد أطاعه . وقيل : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ليس مبعوثا عن يد أحد ولكن عن يد المعطي على يد الآخر . وقيل غير ذلك .

أما قوله : { وهم صاغرون } يعني أذلاء خاضعون مطيعون للدولة التي يعيشون في ظلها وه دولة الإسلام .

وهذه واحدة من المسائل التي يثار من اجلها اللغط والتهويش والتشويش على الإسلام بقصد الطعن فيه وتجريحه والإساءة إليه ، أو لكي ينفروا منه أهل الكتاب تنفيرا بعد أن يغرسوا في نفوسهم الحقد والكراهية لهذا الدين .

إن مسألة الجزية قد اتخذها الصليبيون والمستشرقون والاستعماريون والعملاء والأتباع الناعقون من ورائهم –سبيلا يلجون منه على الإسلام من اجل تشويهه في أنظار الناس . ولقد سيق كثير من المثقفين والدارسين خلف هذه الدعاية الخبيثة التي أثارها أسيادهم من جهابذة الاستعمار والصليبية والاستشراق ؛ أولئك الذين تتقطع قلوبهم وأعصابهم تغيظا من الإسلام ، فهم دائما عاكفون بغير كلالة ولا كلل على الكيد للإسلام بكل أساليب الطعن والقدح والتشويه ، وهم في ذلك كله لا يسندهم منطق ولا تشفع لهم حجة سليمة إلا الغيظ ومحض التعصب والجهالة .

والمسألة في غاية البساطة لو تصورها الخصوم والجاهلون والمارقون فأحسنوا تصورها . وهي أن الجزية مبلغ محمد من المال يؤديه غير المسلم إسهاما منه في بناء الدولة التي يعيش في ظلها والتي ينعم في أمنها ورخائها كغيره من الناس . وهي في مقابل فريضة الزكاة التي يؤديها المسلم للدول ، بل إن الجزية دون الزكاة كثيرا ، وهي لا يؤديها غير القادرين من العاجزين كالفقراء والصبيان والنساء والشيوخ ؛ فلا داعي إذن لكل هذه الضجة المصطنعة الفاجرة ولمثل هذا اللغط المستعمر المحموم ! لا داعي لكل هذا الافتراء على الإسلام والإساءة إليه ما دامت المسألة مجرد مبلغ محدود وهين من المال يؤديه غير المسلم ليشارك المسلمين في بناء البلاد وإعمارها . وهذا المبلغ من المال لا يعدو أن يكون نظيرا للضريبة التي يؤديها المواطن للدولة التي يستظل بظلها . وهل كان إلزام الناس بدفع الضرائب قسرا ، مثيرا لمثل هذا الصخب العارم الذي يثيره الاستعماريون والصليبيون والمستشرقون وأتباعهم من العملاء حول الإسلام ؟ ! إنه لا شيء من ذلك . لكنه الحقد الطاغي والمركوز ، والكراهية المسيطرة العمياء ، والتعصب الجهول الذي تتعطل من خلاله العزائم والضمائر والإرادات .


[1749]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 347 وبداية المجتهد جـ 1 ص 421 والهداية للمرغيناني جـ 3 ص 453.
[1750]:لسان العرب جـ 14 ص 146 وتاج العروس جـ 10 ص 73.
[1751]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 908 وبدائع الصنائع جـ 7 ص 109.
[1752]:شرح فتح القدير للكمال بن الهمام جـ 6 ص 48 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 282 وحاشية الشرقاوي جـ 2 ص 211.
[1753]:روح المعاني جـ 5 ص 78 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 347 والبحر المحيط جـ 5 ص 30.
[1754]:المغنى جـ 8 ص 497 والأنوار جـ 2 ص 558.
[1755]:مغني الحتاج جـ 4 ص 248 والأحكام السلطانية ص 145 وبلغة السالك جـ 1 ص 368 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 294.
[1756]:القاموس المحيط جـ 1 ص 79 ومختار الصحاح ص 259.
[1757]:شرح فتح القدير جـ 6 ص 52 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 289 والأنوار للأردبيلي جـ 2 ص 558 والمحلي جـ 7 ص 347.