أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا} (39)

شرح الكلمات :

{ من الحكمة } : أي التي هي معرفة المحاب لله تعالى للتقرب بها إليها ومعرفة المساخط لتتجنبها تقرباً إليه تعالى بذلك .

{ ملوماً مدحوراً } : أي تلوم نفسك على شركك بربك مبعداً من رحمة الله تعالى .

المعنى :

وقوله تعالى : { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } أي ذلك الذي بينا لك يا رسولنا من الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة التي أمرناك بالأخذ بها والدعوة إلى التمسك بها ، ومن الخلال القبيحة والخصال الذميمة التي نهيناك عن فعلها وحرمنا إتيانها مما أوحينا إليك في كتابنا هذا من أنواع الحكم وضروب العلم والمعرفة ، فلله الحمد وله المنة .

وقوله : { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً هذه أم الحكم بدأ بها السياق وختمه بها تقريراً وتأكيداً إذ تقدم قوله تعالى : { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموماً مخذولاً } والخطاب وان كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كل أحد معني به فأي إنسان يشرك بربه أحداً مبعداً من رحمة به التي هي الجنة . وهذا إذا مات قبل أن يتوب فيوحد ربه في عباداته . إذ التوبة إذا صحت جبت ما قبلها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا} (39)

ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم ، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف ، تنبيهاً للسامع على أن يسأل عنه : { ذلك } أي الأمر العالي جداً { مما أوحى } أي بعث في خفية { إليك ربك } أي المحسن إليك { من الحكمة } التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر ، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع ، بل كانت هكذا في كل ملة .

ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء ، وكان الشرك أعظم جهل ، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءاً وختاماً ، دلالة على فرط شناعته عطفاً على ما مضى من النواهي - قوله تعالى : { ولا تجعل } أو يقدر له ما يعطف عليه نحو : فالزمه ولا تجعل { مع الله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله { إلهاً } .

ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعداداً للمسميات كما ورد في سبب نزول { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية : { ءاخر } فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى عن قفوه { فتلقى } أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس { في جهنم } من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ ، حال كونك { ملوماً } أي معنفاً على ما فعلت بعد الذم { مدحوراً * } أي مطروداً بعد الخذلان ، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكاً لعباده ، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحداً بالذات فلا ينقسم ، وبالاعتبار فلا يجانس ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها { لا تجعل مع الله إلهاً ءاخر } وهي عشر آيات في التوراة ، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك ، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم ، وهم عن دين الله أضل من النعم .

ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسباً ومجانساً في أخص الصفات وهي الإلهية ، وكانت عبادتهم لهم تحقيقاً لذلك ، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل ، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهاً على ظهور فساده متصلاً بما مضى من النهي عن الشرك بالعطف بفاء السبب على { ما } بعد الاستئناف بهمزة الإنكار ، فكان كأنه قيل : لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى{ ويجعلون لله البنات }[ النحل : 54 ] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم ؛