{ الدين } : ما يدان لله تعالى به أي يطاع فيه ويخضع له به من الشرائع والعبادات .
{ الإِسلام } : الانقياد لله بالطاعة والخلوص من الشرك والمراد به هنا ملة الإِسلام .
ثم أخبر أيضاً أن الدين الحق الذي لا يقبل تعالى ديناً سواه ، هو الإسلام ، القائم على مبدأ الانقياد الكامل لله تعالى بالطاعة ، والخلوص التامّ من سائر أنواع الشرك فقال : { إن الدين عند الله } في حكمه وقضائه الإسلام ، وما عداه فلا يقبله ولا يرضاه . ثم أخبر تعالى عن حال نصارى نجران ، المجادلين لرسوله ، في شأن تأليه عيسى بالباطل فقال { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } يريد أن خلاف أهل الكتاب لم يكن عن جهل منهم بالحق ومعرفته ولكن كان عن علم حقيقي وإنما حملهم على الخلاف المسبب للفتن والحروب وضياع الدين البغي والحسد إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية الدنيوية لها دون غيرها ، وبذلك يفسد أمر الدين الدنيا ، وهذه سنة بشرية تورط فيها المسلمون بعد القرون المفضلة أيضاً ، والتاريخ شاهد . ثم قال تعال { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } يتوعد تعالى ويهدد كل من يكفر بآياته الحاملة لشرائعه فيجحدها ويعرض عنها فإنه تعالى يحصي عليه ذنوب كفره وسيآت عصيانه ويحاسبه ويجزيه وإنه لسريع الحساب لأنه لا يشغله شيء عن آخر ولا يعييه إحصاء ولا عدد .
- بطلان كل دين بعد الإِسلام وكل ملة غير ملته لشهادة الله تعالى بذلك وقوله : { . . . ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } الآية ( 85 ) من هذه السورة والآتي تفسيرها إن شاء الله تعالى .
- الخلاف بين أهل العلم والدين يتم عندما يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فيتورطون في المطاعم والمشارب ، ويتشوقون إلى الكراسي والمناصب ، ويرغبون في الشرف يومئذ يختلفون بغياً بينهم وحسداً لبعضهم بعضاً .
ولما كان ذلك علم أنه يجب{[15668]} أن تخضع له الرقاب ويخلص{[15669]} له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللاً للشهادة منهم بالعدل - وقراءة{[15670]} الكسائي بالفتح أظهر في التعليل : { إن الدين } وأصله الجزاء ، أطلق هنا على{[15671]} الشريعة لأنها مسببة{[15672]} { عند الله } أي الملك{[15673]} الذي له الأمر{[15674]} كله{[15675]} { الإسلام } فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس{[15676]} لكل طاعة ، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة{[15677]} المقتضية{[15678]} لنهاية الإذعان .
ولما كان ذلك مصرحاً بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلاً قال : فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم ! فقيل : قد فعل ذلك ، فقيل : فما لهم لم يلزموه{[15679]} ؟ فقيل : قد لزموه مدة مديدة { وما } ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير : بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية{[15680]} ثم أوضحه غاية الإيضاح{[15681]} بآياته المسموعة بكتبه وما{[15682]} { اختلف الذين أوتوا الكتاب } هذا الاختلاف الذي ترونه { إلا من بعد ما جاءهم العلم } بذلك كله ، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل
{ بغياً } واقعاً { بينهم } لا بينهم وبين غيرهم ، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس{[15683]} في الدنيا لشبه أبدوها{[15684]} ودعاو ادعوها ، طال بينهم فيها النزاع{[15685]} وعظم الدفاع ، والله سبحانه وتعالى عالم{[15686]} بكشفها ، قادر على صرفها . قال الحرالي : والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم{[15687]} الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر{[15688]} الباغي من الحسد له - انتهى .
ولما كان التقدير : فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب ، عطف عليه قوله : { ومن يكفر } أي يستمر على كفره{[15689]} ولم يقل حلماً منه : ومن كفر{[15690]} { بآيات الله } أي المرئيات والمسموعات الدالة{[15691]} على إحاطته{[15692]} بالكمال وقوفاً{[15693]} مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلاً { فإن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفوء له { سريع } قال الحرالي : من السرعة وهي{[15694]} وحاء النجاز{[15695]} فيما شأنه الإبطاء - انتهى . ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن{[15696]} القرب فالمعنى : قريب { الحساب * } أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا{[15697]} بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين ، ثم ينقلون{[15698]} إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة{[15699]} ، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها ، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة{[15700]} والله تعالى أعلم .
ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه الإلهية . قال الحرالي : كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية ، فوقع عندهم بحال من كفروا به ، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقاً أن يكون سبب هداية المهتدي ، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه{[15701]} عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى ، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها ، كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه " مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود{[15702]} فبهتوا أمه{[15703]} وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به " كذلك{[15704]} تفرقت{[15705]} فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى{[15706]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.