أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (108)

شرح الكلمات :

{ ولا تسبوا } : ولا تشتموا آلهة المشركين حتى لا يسبوا الله تعالى . { عدواً } : ظلماً .

{ زينا لكل أمة عملهم } : حسناه لهم خيراً كان أو شراً حتى فعلوه .

المعنى :

عندما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح يصدع بالدعوة جهراً كانت سراً أخذ بعض أصحابه يسبون أوثان المشركين ، فغضب لذلك المشركون وأخذوا يسبون الله تعالى إله المؤمنين وربهم فنهاهم تعالى عن ذلك أي عن سب آلهة المشركين بقوله : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } أي لا تسبوا آلهتهم { فيسبوا الله عدوا } أي ظلماً واعتداء بغير علم ، إذ لو علموا جلال الله وكماله لما سبوه ، وقوله تعالى : { وكذلك زينا لكل أمة عملهم } بيان منه تعالى لسنته في خلقه وهي أن المرء إذا أحب شيئاً ورغب فيه وواصل ذلك الحب وتلك الرغبة يصبح زيناً له ولو كان في الواقع شيئاً . ويراه حسناً إن كان في حقيقة الأمر قبيحاً ، ومن هنا كان دفاع المشركين عن آلهتهم الباطلة من هذا الباب فلذا لم يرضوا أن تسب لهم وهددوا الرسول والمؤمنين بأنهم لو سبوا آلهتهم لسبوا لهم إلههم وهو الله تعالى ، وقوله تعالى { ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } يخبر تعالى أن مرجع الناس المزين لهم أعمالهم خيرها وشرها ورجوعهم بعد نهاية حياتهم إلى الله ربهم فيخبرهم بأعمالهم ويطلعهم عليها ويجزيهم بها الخير بالخير والشر بالشر . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 108 ) .

الهداية

من الهداية :

- حرمة قول أو فعل ما يتسبب عنه سب الله ورسوله .

- بيان سنة الله في تزيين الأعمال لأصحابها خيراً كانت أو شراً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (108)

فيه خمس مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله " نهي . " فيسبوا الله " جواب النهي . فنهى سبحانه لمؤمنين أن يسبوا أوثانهم ؛ لأنه علم إذا سبوها نفر الكفار وازدادوا كفرا . قال ابن عباس : قالت كفار قريش لأبي طالب : إما أن تنهى محمدا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نسب إلهه ونهجوه ؛ فنزلت الآية .

الثانية - قال العلماء : حكمها باق في هذه الأمة على كل حال ، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل ، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك ؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية . وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب " الذين " على معتقد الكفرة فيها .

الثالثة - في هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة ، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع ، وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين . ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لا تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة . قال ابن العربي : إن كان الحق واجبا فيأخذه بكل حال وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول .

الرابعة - قوله تعالى : " عدوا " أي جهلا واعتداء . وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة ، وهي راجعة إلى القراءة الأولى ، وهما جميعا بمعنى الظلم . وقرأ أهل مكة أيضا " عدوا " بفتح العين وضم الدال بمعنى عدو . وهو واحد يؤدي عن جمع ، كما قال : " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين{[6636]} " [ الشعراء : 77 ] . وقال تعالى : " هم العدو{[6637]} " وهو منصوب على المصدر أو على المفعول من أجله .

الخامسة - قوله تعالى : " كذلك زينا لكل أمة عملهم " أي كما زينا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم . قال ابن عباس . زينا لأهل الطاعة الطاعة ، ولأهل الكفر الكفر ، وهو كقوله : " كذلك يضل الله من يشاء ويهدي{[6638]} من يشاء " [ المدثر : 31 ] . وفي هذا رد على القدرية .


[6636]:راجع ج 13 ص 110.
[6637]:راجع ج 18 ص 125.
[6638]:راجع ج 10 ص 172.