أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

شرح الكلمات :

{ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } : أي لعذبناهم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية : الجاهلية وهي الأنفة المانعة من قبول الحق ولذا منعوا الرسول وأصحابه من دخول مكة وقالوا كيف يقتلون أبناءنا ويدخلون بلادنا واللات والعزى ما دخلوها .

{ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } : أي فهمَّ الصحابة أن يخالفوا أمر رسول الله بالصلح فأنزل الله سكينته عليهم فرضوا ووافقوا فتم الصلح .

{ وألزمهم كلمة التقوى } : أي ألزمهم كلمة لا إله إلا الله إذ هي الواقية من الشرك .

{ وكانوا أحق بها وأهلها } : أي أجدر بكلمة التوحيد وأهلا للتقوى .

{ وكان الله بكل شيء عليما } : أي من أمور عباده وغيره ومن ذلك علمه بأهليه المؤمنين وأحقيتهم بكلمة التقوى " لا إله إلا الله " .

المعنى :

وقوله { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية } هذا تعليل للإِذن بقتال المشركين في مكة وتعذيبهم العذاب الأليم لولا وجود مؤمنين ومؤمنات بها يؤذيهم ذلك والمراد من الحمية الأنفة والتعاظم وما يمنع من قبول الحق والتسليم به وهذه من صفات أهل الجاهلية فقد قالوا كيف نسمح لهم بدخول بلادنا وقد قتلوا أبناءنا واللات والعزى ما دخلوا علينا أبداً ، وقوله تعالى { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } وذلك لما همَّ المؤمنون بعدم قبول الصلح لما فيه من التنازل الكبير للمشركين وهم على الباطل والمؤمنون على الحق فلما حصل هذا في نفوس المؤمنين أنزل الله سكينته عليهم وهي الطمأنينة والوقار والحلم فرضوا بالمصالحة وتمت وكان فيها خير كثير حتى قيل فيها إنها فتح أوَّلي أو فاتحة فتوحات لا حدَّ لها . وقوله تعالى { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } أي وشرف الله وأكرم المؤمنين بإِلزامهم التشريعي بكلمة لا إله إلا الله . إذ هي كلمة التقوى أي الواقية من الشرك والعذاب في الدارين وجعلهم أحق بها وأهلها . أي أجدر من غيرهم بكلمة التوحيد وأكثر أهلية للتقوى وكان الله بكل شيء عليما ومن ذلك علمه بأهليه أصحاب رسول الله بما جعلهم أهلا له من الإِيمان والتقوى .

الهداية :

- بيان أن كلمة التقوى هي لا إله إلاّ الله .

- الإِشارة إلى ما أصاب المسلمين من ألم نفسي من جراء الشروط القاسية التي اشترطها ممثل قريش ووثيقة الصلح . وهذا نص الوثيقة وما تحمله من شروط لم يقدر عليها إلاّ رسول الله بما آتاه الله من العلم والحكمة والحلم والصبر والوقار ، ولمَّا أنزل الله ذلك على المؤمنين من السكينة فحملوها وارتاحت نفوسهم لها نص الوثيقة : " ورد أن قريشا لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية بعثت إليه ثلاثة رجال هم سهيل بن عمرو القرشي ، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلي له قريش مكة من العام المقبل ثلاث أيام فقبل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فقالوا : ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ، فكتب ثم قال " اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة " فقالوا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قتلناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اكتب ما يريد فهمَّ " المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقّروا وحلموا وتم الصلح على ثلاث أشياء هي :

1- أنَّ من أتاهم من المشركين مسلماً ردوه إليهم .

2- أنَّ من أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم .

3- أنْ يدخل الرسول والمؤمنون مكة من عام قابل ويقيمون بها ثلاثة أيام لا غير ولا يدخلها بسلاح .

فلما فرع من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم قوموا فانحروا ثم احلقوا .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون من جهالات وحماقات استولت على نفوسهم فقال : { إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية } .

والظرف { إِذْ } منصوب بفعل مقدر . والحمية : الأنفة والتكبر والغرور والتعالى بغير حق . يقال : حَمِىَ أنفه من الشئ - كرضى - إذا غضب منه ، وأعرض عنه .

أى : واذكر - أيها العاقل - وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم بالحمية الباطلة ، التى هى حمية المِلّة الجاهلية ، حيث منعوا المسلمين من دخول مكة ، ومن الطواف بالمسجد الحرام ، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله ، وحيث أبوا أن يكتب فى الصحيفة التى عقدت بينهم وبين المسلمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، أو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا كله من حميتهم الجاهلية التى لا أساس لها من علم أو خلق أو دين .

.

وقوله : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى . . . } معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين حال الفريقين ، مقابلة تتجلى فيها رعايته - سبحانه - للمؤمنين ، وغضبه على الكافرين . أى : هذا هو حال الكافرين ، رسخت الجهالات فى قلوبهم حتى صرفتهم عن سبيل الرشد ، أما حال المؤمنين فأنهم قابلوا تصرفات هؤلاء الكافرين بالاحتقار والازدراء ومبايعة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - على الموت إذا لزم الأمر ذلك .

فأنزل الله - تعالى - طمأنينته وسكينته على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قلوب أصحابه ، حيث لم يجعلهم يقابلون سفاهات المشركين بسفاهات مثلها . .

{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } أى : وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة التقوى ، وهى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوا الله ، من أناة وسكون وثبات ووقار وخلق كريم وإخلاص فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .

{ وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } أى : وكان المؤمنين أحق بهذه الكلمة من الكفار ، وكانوا أهلا لها دون الكفار ، لأن المؤمنين استجابوا للحق . أما الكافرون فقد أنفوا منه ، وتطاولوا عليه ، بمقضتى حميتهم الجاهلية . . { وَكَانَ } - سبحانه - وما زال { بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } لا يخفى عليه أمر ، ولا يغيب عن علمه شئ ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى ألوانا من المقابلات التى تدل على مدح الله - تعالى - للمؤمنين ، وعلى احتقاره للكافرين .

فقد عبر - سبحانه - فى جانب الكافرين بكلمة جعل التى تشعر بأن الكافرين كأنهم قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية فى قلوبهم إلقاء بدون تعقل أو تبدر ، بينما عبر فى جانب المؤمنين بكلمة أنزل التى تشعر كأن السكينة كانت فى خزائنه - تعالى - ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قلوب المؤمنين ، ليزدادوا إيمانا على إيمانهم . .

ونرى الفاعل لجعل هو الذين كفروا ، بينما الفاعل لأنزل هو الله - عز وجل - .

ونرى المفعول لجعل هو الحمية ، وهى كلمة مشتعلة منفرة ، وقد كررها - سبحانه - ليزداد العقلاء نفورا منها . . ونرى المفعول لأنزل هو السكينة وهى كلمة فيها ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة .

ونرى الحمية قد أضيفت إلى الجاهلية ، بينما السكينة أضيفت إلى الله - تعالى - .

ونرى أن الله - تعالى - قد أضاف كل ذلك مدحا عظيما لعباده المؤمنين حيث ألزمهم كلمة التقوى ، وجعلهم بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين آثروا الغى على الرشد ، والباطل على الحق . . وفى ذلك ما فيه من الثناء على المؤمنين والتحقير للكافرين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (26)

قوله : { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حمية الجاهلية } { الحمية } ، تعني الأنفة{[4269]} . أي تشبث الكفار بالحمية الراسخة في قلوبهم ، وحميتهم أو أنفتهم حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمان الرحيم . وأبوا أيضا أن يقروا للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة ، وكذلك قد منعوا المسلمين من دخول مكة فصدوهم عن البيت الحرام . لقد فعلوا كل ذلك أنفة وعنادا ولجوجا في العصيان والاستكبار .

قوله : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } أنزل الله عليهم الطمأنينة . وقيل : ثبتهم على الرضا والوقار { وألزمهم كلمة التقوى } وهي لا إله إلا الله ، فهذه الشهادة الكبرى رأس كل تقوى { وكانوا أحق بها وأهلها } يعني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أحق بكلمة التقوى وهي شهادة أن لا إله إلا الله وكانوا أهل هذه الشهادة دون المشركين .

قوله : { وكان الله بكل شيء عليما } الله يعلم ما في ضمائر الخلق ويعلم ما تكنه صدور العباد ويعلم ما يصلح عليه حال الناس{[4270]} .


[4269]:المصباح المنير جـ 1 ص 166.
[4270]:تفسير القرطبي جـ 16 ص 286- 288 والكشاف جـ 3 ص 548 وتفسير ابن كثير جـ 4 ص 194.