صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (23)

{ وراودته . . } المراودة مفاعلة من الرويد ، وهو الرفق والتمحل ، وتعديتها ب{ عن } لتضمنها معنى المخادعة . أي دعته امرأة العزيز إلى نفسها ، وفعلت معه المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد أن يخرجه من يده ، وهو يحتال أن يأخذه منه ، فكان منها الطلب ، وكان منه الإباء خوفا من الله تعالى . وقيل : إن المفاعلة من جانب واحد ، على حد قولهم : مماطلة المدين ، ومداواة المريض ، ونظائرهما .

{ هيت لك } اسم فعل بمعنى هلم ، أي تعال وأقبل وأسرع ونحوه ، مما يدل على الحث

و الإقبال على الشيء . وقيل : هي لفظة معربة ، أو من الألفاظ التي اتفقت فيها اللغات . واللام في { لك } لتبيين المخاطب ، كما في : سقيا لك ، ورعيا لك . وهي متعلقة بمحذوف ، كأنها تقول : أقول لك ، أو الخطاب لك .

{ قال معاذ الله } أعوذ بالله معاذا مما تريدين مني . أي أعتصم بالله وأستجير به ، والتجأ إليه التجاء في دفع ذلك عني . وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (23)

قوله تعالى : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } التي راودته هي امرأة العزيز ، إذ كان يوسف في بيتها ؛ فقد بهرها بحسنه وسمته الكريم حتى شغفها حبا ، فراودته عن نفسه ؛ أي طلبت منه في تلطف ولين . والمراودة تعني التلطف في الطلب وفيها معنى المخادعة{[2222]} ، فهي بذلك حاولته على نفسه ودعته إليها لما وجدت في قبلها من بالغ المحبة له والتشبث به . فما استطاعت أن تضبط رغبتها وتصطبر ؛ بل بادرت إلى مصارحته بما تريد . ولذلك غلقت الأبواب . { وغلقت } ، بالتشديد ، للتكثير ؛ لأن الأبواب كانت كثيرة فأغلقتها جميعا { وقالت هيت لك } { هيت } ، اسم فعل أمر بمعنى هلم ، أو أقبل ، أو تعال{[2223]} ، وبذلك دعته في صراحة إلى المواقعة لكنه عليه السلام والسلام أعظم من أن ينزلق إلى هذا المنزلق من الشهوة الراحم . وهو منزل لا ينحدر إليه عباد الله الأبرار ، فكيف برسول كريم عظيم سليل النبوة والطهر والرسالات ، يوسف عليه السلام ؟ ! وبذلك { قال معاذ } { معاذ } ، منصوب على المصدر . يقال : عاذ يعوذ معاذا وعوذا وعياذا{[2224]} ؛ أي لما دعته امرأة العزيز للمواقعة قال لها : أعصتم بالله وأستجير به مما تدعونني إليه { إنه ربي أحسن مثواى } يعني إنه سيدي أحسن منزلتي وأكرمني ؛ إذ أوصاك أن تكرمي مثواي فلا أخونه في أهل وبيته . { إنه لا يفلح الظالمون } الظالمون الذين يستبدلون الخبيث بالطيب ، والفاحشة بالطهر ، والفساد بالصلاح ، وكل ذلك ظلم . وما تدعونني غليه خيانة وفحش ؛ فهو ظلم ولا يفلح من يقع فيه .


[2222]:المصباح المنير جـ 1 ص 263.
[2223]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 378 وتفسير الرازي جـ 18 ص 115.
[2224]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 38.